اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

دروس للشيخ مصطفى العدوي

أبو عبد الله مصطفى بن العدوى شلباية المصري
دروس للشيخ مصطفى العدوي - أبو عبد الله مصطفى بن العدوى شلباية المصري
الحث على تدبر آيات الوعيد والنار
أيها الإخوة الكرام: كتاب ربكم الذي بين أيديكم لا تخلو سورة من سوره في الغالب عن ذكر هذه النار؛ ولذلك أرسل الله نبيه محمدًا ﷺ نذيرًا ومخوفًا منها كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وقال له لما تدثر بالفراش: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] قم فخوف الناس مما يستقبلهم، قم خوف الناس من نار جهنم، ولذلك يقول ربنا ﷾ في شأن نبينا محمد ﵊: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٥ - ١٦] فمن صرف عنه عذاب جنهم فقد ﵀، وتقول الملائكة: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩]، ولذلك كان رسولنا محمد ﵊ دائم الاستعاذة بالله من النار في صلواته وبعد انقضاء صلواته وفي مجالسه وطرقاته، وهل لأحد من طاقة بهذه النار؟! جرب بنفسك مرة، وقف فقط بجانب القدر وهو يغلي وقرب منه وجهك وانظر ما الذي ستجده؟ يا عباد الله! اتقوا النار كما قال رسولكم محمد ﷺ، أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية، اجعلوا بينكم وبين النار وقايات، حتى يقيكم الله من هذه النار، وأعظم هذه الوقايات -كما لا يخفى عليكم- توحيد الله ﷾، فمن لم يوحد الله ﷿ واتخذ شريكًا معه دخل النار بلا إشكال، وثَم وقايات أخر، وقايات يجعلها الشخص بين نفسه وبين النار، ومن هذه الوقايات الصدقة كما قال الرسول ﷺ: (ولو بشق تمرة) فإنها تحجبك عن النار، فإن لم تجد فكما قال الرسول ﵊: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة).
معشر الإخوة! اقرءوا كتاب ربكم قراءة الموقن المصدق بما أُعد، لا تقرءوه قراءة المجود له فحسب، بل اقرءوه قراءة المتدبر المصدق بوعده وبوعيده، المتفكر في آياته، اقرءوا قول الله ﷿: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢] اقرءوا هذه الآيات وتعقلوها، اقرءوا قول ربكم سبحانه: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، اقرءوا بتمعن قول ربكم واعقلوه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤] اقرءوا وأيقنوا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، تخيل المجرم الأثيم وقت الاحتضار والملائكة تستقبله بالضرب على وجهه وعلى دبره قائلة له: (ذق عذاب الحريق).
فيا معشر الإخوة! كتاب الله بين أيديكم، ولكن من هو العاقل المتدبر المتأمل؟ الفرق بينكم وبين أهل الكفر: أنكم أقررتم بهذا الكتاب وأيقنتم أنه من عند الله سبحانه، وأن نبيكم محمدًا ﵊ لا ينطق عن الهوى، هذا الفارق بينكم وبين أهل الكفر، فما بالكم لا تقبلون على هذا الكتاب، ولا تقرءونه وتنظرون ماذا يريد منكم ربكم، وماذا ينتظركم في قبوركم وعند موتكم وعند بعثكم، لم لا تدبرون القرآن هذا التدبر؟ إن النبي ﵊ صح عنه أن قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة فيصبغ صبغة في النار ثم يقال له: يابن آدم! هل وجدت نعيمًا في حياتك قط؟ فيقول: لا والله ياربي! ما وجدت نعيمًا في حياتي قط)، صح هذا عن النبي ﷺ كما في الصحيحين وفي غيرهما.
فجدير بكم أن تزهدوا عما في دنياكم الزائلة الفانية، فالموت يتخطف الناس من حولكم، سواءً كانوا أهل علم وصلاح، أو أهل فجور، كل يتخطف من حولكم، ويدفن بأيديكم، ويوارى أمام أعينكم، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]، وقد قال فريق من أهل العلم في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أن ذلك يكون بقبض أهل العلم كما قال الرسول ﷺ: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا -أو رؤساء- جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) وثم أقوال أخر منها: أن الناس يموتون من حولهم، وثم قول ثالث: أن البلاد الكافرة كانت تسلم وتدخل الإسلام على عهد رسول الله ﵊ فتنقص دائرة الكفر.
فيا عباد الله: أقبلوا على كتاب الله، أقبلوا عليه إقبال العقلاء أهل الفهم الصحيح الثاقب، واسألوا ربكم العون والتوفيق، والله المستعان.
3
المجلد
العرض
55%
الصفحة
3
(تسللي: 39)