اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها

صلاح أبو الحاج
غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها - صلاح أبو الحاج

المبحث الأول حبُّ الدنيا وأخواتها

والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى، وأعني بالدابّة البدن، فإنه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال.
فأشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها، وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ولكنهم نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآبهم فتاهوا وضلوا، وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدَّرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا خيالات فاسدة، فانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدة أوجه:
أ. طائفة غلبهم الجهل والغفلة، فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم فقالوا: المقصود أن نعيش أياماً في الدنيا، فنجهد حتى نكسب القوت، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب، ثم نكسب حتى نأكل، فيأكلون ليكسبوا، ثم يكسبون ليأكلوا، وهذا مذهب مَن ليس له تنعم في الدنيا، ولا قدم في الدين، فإنه يتعب نهاراً ليأكل ليلاً، ويأكل ليلاً ليتعب نهاراً، وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت.
ب. طائفة زعموا أنهم تفطنوا للأمر: وهو أنه ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا، بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا، وهي شهوة البطن والفرج، فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى
المجلد
العرض
21%
تسللي / 474