أيقونة إسلامية

غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها

صلاح أبو الحاج
غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها - صلاح أبو الحاج

المبحث الأول حبُّ الدنيا وأخواتها

والأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحسُّ بثقل المعدة، ولا يحس بألم الجوع، بل ينسى بطنه، فلا يؤثر فيه الجوع أصلاً، فإن مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة، وثقل المعدة يمنع من العبادة، وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها.
فالمقصود أن يأكل أكلاً لا يبقي للمأكول فيه أثر ليكون متشبهاً بالملائكة، فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام، وألم الجوع وغاية الإنسان الاقتداء بهم، وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع والجوع، فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط وهو الاعتدال.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، ومهما لم يحس الإنسان بجوع ولا شبع تيسرت له العبادة والفكر، وخَفَّ في نفسه وقوي على العمل مع خفته، ولكن هذا بعد اعتدال الطبع.
أما في بداية الأمر إذا كانت النفس جموحاً متشوقة إلى الشهوات مائلة إلى الإفراط، فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها بالجوع، كما يُبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضةً بالجوع والضرب وغيره إلى أن تعتدل، فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ولأجل هذا السر يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه، فيأمره بالجوع وهو لا يجوع، ويمنعه الفواكه والشهوات وقد لا يمتنع هو منها؛ لأنه قد فرغ من تأديب نفسه، فاستغنى عن التعذيب.
المجلد
العرض
33%
تسللي / 474