أيقونة إسلامية

غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها

صلاح أبو الحاج
غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها - صلاح أبو الحاج

المبحث الثاني التوبة والورع

إن ظاهر الكتاب قد دلَّ على هذا؛ إذ قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا}؛ إذ التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله المقرب إلى الشيطان، ولا يتصور ذلك إلا من عاقل، ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان؛ إذ كمال العقل إنما يكون عند مقاربة الأربعين، وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ، ومباديه تظهر بعد سبع سنين، والشهوات جنود الشيطان، والعقول جنود الملائكة، فإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة؛ إذ لا يثبت أحدهما للآخر؛ لأنهما ضدان، فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار والنور والظلمة.
ومهما غلب أحدهما أزعج الآخر بالضرورة وإذا كانت الشهوات تكمل في الصبا والشباب قبل كمال العقل فقد سبق جند الشيطان، واستولى على المكان ووقع للقلب به أنس وإلف لا محالة مقتضيات الشهوات بالعادة، وغلب ذلك عليه ويعسر عليه النزوع عنه، ثم يلوح العقل الذي هو حزب الله وجنده ومنقذ أوليائه من أيدي أعدائه شيئاً فشيئاً على التدريج، فإن لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان وأنجز اللعين موعده حيث، قال {لأحتنكن ذريته إلا قليلا}.
وإن كمل العقل وقوي كان أول شغله، قمع حنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات، ولا معنى للتوبة إلا هذا وهو الرجوع عن طريق دليله الشهوة وخفيره الشيطان إلى طريق الله تعالى، وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته سابقة على عقله،
المجلد
العرض
72%
تسللي / 474