إحياء علوم الدين - أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
وكتبه هل فيها ما يستغنى عنه بعينه أو يستغنى عن نفاسته فيمكن أن يبدل بما يكفي ويفضل بعض قيمته وكل ذلك إلى اجتهاده وفيه طرف ظاهر يتحقق معه أنه مستحق وطرف آخر مقابل يتحقق معه أنه غير مستحق وبينهما أوساط مشتبهة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه والاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهرًا وللمحتاج في تقدير الحاجات مقامات في التضييق والتوسيع ولا تحصر مراتبه وميل الورع إلى التضييق وميل المتساهل إلى التوسيع حتى يرى نفسه محتاجًا إلى فنون من التوسع وهو ممقوت في الشرع
ثُمَّ إِذَا تَحَقَّقَتْ حَاجَتُهُ فَلَا يَأْخُذَنَّ مَالًا كَثِيرًا بَلْ مَا يُتَمِّمُ كِفَايَتَهُ مِنْ وَقْتِ أَخْذِهِ إِلَى سَنَةٍ
فَهَذَا أَقْصَى مَا يُرَخَّصُ فيه من حيث أن السنة إذا تكررت تكررت أسباب الدخل ومن حَيْثُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ادخر لعياله قوت سنة (١) فهذا أقرب ما يحد به حد الفقير والمسكين ولو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب للتقوى
ومذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة فمن مبالغ في التقليل إلى حد أوجب الاقتصار على قدر قوت يومه وليلته وتمسكوا بما روى سهل بن الحنظلية أنه ﷺ نهى عن السؤال مع الغنى فسئل عن غناه فقال ﷺ غداؤه وعشاؤه (٢) وقال آخرون يأخذ إلى حد الغنى
حد الغنى نصاب الزكاة إذ لم يوجب الله تعالى الزكاة إلا على الأغنياء فقالوا له أن يأخذ بنفسه ولكل واحد من عياله نصاب زكاة وقال آخرون حد الغنى خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب لما روى ابن مسعود أنه ﷺ قال من سال وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خموش فسئل وما غناه قال خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب (٣) وقيل راويه ليس بقوي وقال قوم أربعون لما رواه عطاء بن يسار منقطعًا أنه ﷺ قال من سال وله أوقية فقد ألحف في السؤال (٤) وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا له أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يَشْتَرِي بِهِ ضَيْعَةً فيستغني به طول عمره أو يهيىء بضاعة ليتجر بها ويستغني بها طول عمره لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغِنَى وَقَدْ قَالَ عمر ﵁ إِذَا أَعْطَيْتُمْ فَأَغْنُوا حَتَّى ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنِ افْتَقَرَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ مَا يَعُودُ بِهِ إِلَى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال
ولما شغل أبو طلحة ببستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة
فقال ﷺ اجْعَلْهُ فِي قَرَابَتِكَ فهو خير لك (٥) فأعطاه حسان وأبا قتادة
فَحَائِطٌ مِنْ نَخْلٍ لِرَجُلَيْنِ كَثِيرٌ مُغْنٍ وأعطى عمر ﵁ أعرابيًا ناقة معها ظئر لها فهذا ما حكي فيه فأما التقليل إلى قوت اليوم أو الأوقية فذلك ورد في كراهية السؤال والتردد على الأبواب وذلك مستنكر وله حكم آخر بل التجويز إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها أقرب إلى الاحتمال وهو أيضًا مائل إلى الإسراف
والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة فما وراءه فيه خطر وفيما دونه تضييق
وهذه الأمور إذا لم يكن فيها تقدير جزم بالتوقيف فليس للمجتهد إلا الحكم بما يقع
له ثم يقال للورع استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك (٦) كما قاله ﷺ إذ الإثم حزاز القلوب فإذا وجد القابض في نفسه شيئًا مما يأخذه فليتق الله فيه ولا يترخص تعللا بالفتوى من
_________
(١) حديث ادخر لعياله قوت سنة أخرجاه من حديث عمر كان يعزل نفقة أهله سنة وللطبراني في الأوسط من حديث أنس كان إذا ادخر لأهله قوت سنة تصدق بما بقي قال الذهبي حديث منكر
(٢) حديث سهل بن الحنظلية في النهي عن السؤال مع الغنى فيسأل ما يغنيه فقال غداؤه وعشاؤه أخرجه أبو داود وابن حبان بلفظ من سأل وله ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم الحديث
(٣) حديث ابن مسعود من سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفي وجهه خموش الحديث أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وضعفه النسائي والخطابي
(٤) حديث عطاء بن يسار منقطعًا من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال أخرجه أبو داود والنسائي من رواية عطاء عن رجل من بني أسد متصلا وليس بمنقطع كما ذكر المصنف لأن الرجل صحابي فلا يضر عدم تسميته وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد
(٥) حديث لما شغل أبا طلحة بستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة تقدم في الصلاة
(٦) حديث استفت قلبك وإن أفتوك تقدم في العلم
ثُمَّ إِذَا تَحَقَّقَتْ حَاجَتُهُ فَلَا يَأْخُذَنَّ مَالًا كَثِيرًا بَلْ مَا يُتَمِّمُ كِفَايَتَهُ مِنْ وَقْتِ أَخْذِهِ إِلَى سَنَةٍ
فَهَذَا أَقْصَى مَا يُرَخَّصُ فيه من حيث أن السنة إذا تكررت تكررت أسباب الدخل ومن حَيْثُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ادخر لعياله قوت سنة (١) فهذا أقرب ما يحد به حد الفقير والمسكين ولو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب للتقوى
ومذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة فمن مبالغ في التقليل إلى حد أوجب الاقتصار على قدر قوت يومه وليلته وتمسكوا بما روى سهل بن الحنظلية أنه ﷺ نهى عن السؤال مع الغنى فسئل عن غناه فقال ﷺ غداؤه وعشاؤه (٢) وقال آخرون يأخذ إلى حد الغنى
حد الغنى نصاب الزكاة إذ لم يوجب الله تعالى الزكاة إلا على الأغنياء فقالوا له أن يأخذ بنفسه ولكل واحد من عياله نصاب زكاة وقال آخرون حد الغنى خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب لما روى ابن مسعود أنه ﷺ قال من سال وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خموش فسئل وما غناه قال خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب (٣) وقيل راويه ليس بقوي وقال قوم أربعون لما رواه عطاء بن يسار منقطعًا أنه ﷺ قال من سال وله أوقية فقد ألحف في السؤال (٤) وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا له أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يَشْتَرِي بِهِ ضَيْعَةً فيستغني به طول عمره أو يهيىء بضاعة ليتجر بها ويستغني بها طول عمره لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغِنَى وَقَدْ قَالَ عمر ﵁ إِذَا أَعْطَيْتُمْ فَأَغْنُوا حَتَّى ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنِ افْتَقَرَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ مَا يَعُودُ بِهِ إِلَى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال
ولما شغل أبو طلحة ببستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة
فقال ﷺ اجْعَلْهُ فِي قَرَابَتِكَ فهو خير لك (٥) فأعطاه حسان وأبا قتادة
فَحَائِطٌ مِنْ نَخْلٍ لِرَجُلَيْنِ كَثِيرٌ مُغْنٍ وأعطى عمر ﵁ أعرابيًا ناقة معها ظئر لها فهذا ما حكي فيه فأما التقليل إلى قوت اليوم أو الأوقية فذلك ورد في كراهية السؤال والتردد على الأبواب وذلك مستنكر وله حكم آخر بل التجويز إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها أقرب إلى الاحتمال وهو أيضًا مائل إلى الإسراف
والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة فما وراءه فيه خطر وفيما دونه تضييق
وهذه الأمور إذا لم يكن فيها تقدير جزم بالتوقيف فليس للمجتهد إلا الحكم بما يقع
له ثم يقال للورع استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك (٦) كما قاله ﷺ إذ الإثم حزاز القلوب فإذا وجد القابض في نفسه شيئًا مما يأخذه فليتق الله فيه ولا يترخص تعللا بالفتوى من
_________
(١) حديث ادخر لعياله قوت سنة أخرجاه من حديث عمر كان يعزل نفقة أهله سنة وللطبراني في الأوسط من حديث أنس كان إذا ادخر لأهله قوت سنة تصدق بما بقي قال الذهبي حديث منكر
(٢) حديث سهل بن الحنظلية في النهي عن السؤال مع الغنى فيسأل ما يغنيه فقال غداؤه وعشاؤه أخرجه أبو داود وابن حبان بلفظ من سأل وله ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم الحديث
(٣) حديث ابن مسعود من سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفي وجهه خموش الحديث أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وضعفه النسائي والخطابي
(٤) حديث عطاء بن يسار منقطعًا من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال أخرجه أبو داود والنسائي من رواية عطاء عن رجل من بني أسد متصلا وليس بمنقطع كما ذكر المصنف لأن الرجل صحابي فلا يضر عدم تسميته وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث أبي سعيد
(٥) حديث لما شغل أبا طلحة بستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة تقدم في الصلاة
(٦) حديث استفت قلبك وإن أفتوك تقدم في العلم
224