إحياء علوم الدين - أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى ﴿خذوا حذركم﴾ وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب والذي قدر الشر قدر لدفعه سببًا فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ثم في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات ولذلك قال ﷺ الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ (١) والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله ﷿ إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى الدعاء والدعاء يرد القلب إلى الله ﷿ بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلًا بالأنبياء ﵈ ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع إلى الله ﷿ ويمنع من نسيانه وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار والدعوات والله الموفق للخير وأما بقية الدعوات في الأكل والسفر وعيادة المريض وغيرها فستأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى وعلى الله التكلان نجز كتاب الأذكار والدعوات بكماله يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الأوراد والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء الليل
وهو الكتاب العاشر من إحياء علوم الدين وبه اختتام ربع العبادات نفع الله به المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله على آلائه حمدًا كثيرًا ونذكره ذكرًا لا يغادر في القلب استكبارًا ولا نفورًا ونشكره إذ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا ونصلي على نبيه الذي بعثه بالحق بشيرًا ونذيرًا وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين الذين اجتهدوا في عبادة الله غدوة وعشيًا وبكرة وأصيلًا حتى أصبح كل واحد منهم نجمًا في الدين هاديًا وسراجًا منيرًا
أما بعد فإن الله تعالى جعل الأرض ذلولًا لعباده إلا ليستقروا في مناكبها بل ليتخذوها منزلًا فيتزودوا منها زادًا يحملهم في سفرهم إلى أوطانهم ويكتنزون منها تحفًا لنفوسهم عملًا وفضلًا محترزين من مصايدها ومعاطبها ويتحققون أن العمر يسير بهم سير السفينة براكبها فالناس في هذا العالم سفر وأول منازلهم المهد وآخرها اللحد والوطن هو الجنة أو النار والعمر مسافة السفر فسنوه مراحله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطواته وطاعته بضاعته وأوقاته رءوس أمواله وشهواته وأغراضه قطاع طريقه وربحه الفوز بلقاء الله تعالى في دار السلام مع الملك
_________
(١) حديث الدعاء مخ العبادة تقدم في الباب الأول
كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء الليل
وهو الكتاب العاشر من إحياء علوم الدين وبه اختتام ربع العبادات نفع الله به المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله على آلائه حمدًا كثيرًا ونذكره ذكرًا لا يغادر في القلب استكبارًا ولا نفورًا ونشكره إذ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا ونصلي على نبيه الذي بعثه بالحق بشيرًا ونذيرًا وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين الذين اجتهدوا في عبادة الله غدوة وعشيًا وبكرة وأصيلًا حتى أصبح كل واحد منهم نجمًا في الدين هاديًا وسراجًا منيرًا
أما بعد فإن الله تعالى جعل الأرض ذلولًا لعباده إلا ليستقروا في مناكبها بل ليتخذوها منزلًا فيتزودوا منها زادًا يحملهم في سفرهم إلى أوطانهم ويكتنزون منها تحفًا لنفوسهم عملًا وفضلًا محترزين من مصايدها ومعاطبها ويتحققون أن العمر يسير بهم سير السفينة براكبها فالناس في هذا العالم سفر وأول منازلهم المهد وآخرها اللحد والوطن هو الجنة أو النار والعمر مسافة السفر فسنوه مراحله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطواته وطاعته بضاعته وأوقاته رءوس أمواله وشهواته وأغراضه قطاع طريقه وربحه الفوز بلقاء الله تعالى في دار السلام مع الملك
_________
(١) حديث الدعاء مخ العبادة تقدم في الباب الأول
329