اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إحياء علوم الدين

أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
إحياء علوم الدين - أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
ومعه جارية فقال للنخاس أترضى في ثمنها الدرهم والدرهمين قال لا قال فاذهب فإن الله ﷿ رضي في الحور العين بالفلس واللقمة
بيان إخفاء الصدقة وإظهارها

قد اختلف طريق طلاب الإخلاص في ذلك فمال قوم إلى أن الإخفاء أفضل ومال قوم إلى أن الإظهار أفضل ونحن نشير إلى ما في كل واحد من المعاني والآفات ثم نكشف الغطاء عن الحق فيه
أما الإخفاء ففيه خَمْسَةُ مَعَانٍ
الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَبْقَى لِلسَّتْرِ عَلَى الآخذ فإن أخذه ظاهرًا هتك لستر الْمُرُوءَةِ وَكَشْفٌ عَنِ الْحَاجَةِ وَخُرُوجٌ عَنْ هَيْئَةِ التَّعَفُّفِ وَالتَّصَوُّنِ الْمَحْبُوبِ الَّذِي يَحْسَبُ الْجَاهِلُ أَهْلَهُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
الثَّانِي أَنَّهُ أَسْلَمُ لِقُلُوبِ النَّاسِ وَأَلْسِنَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا يَحْسُدُونَ أَوْ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ أَخْذَهُ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ أَخْذٌ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ أو ينسبونه إلى أخذ زيادة
وَالْحَسَدُ وَسُوءُ الظَّنِّ وَالْغَيْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى
وقال أبو أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ إِنِّي لَأَتْرُكُ لُبْسَ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ خشية أن يحدث في جيران حسدًا
وقال بعض الزهاد ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين له هذا وعن إبراهيم التيمي أنه رؤي عليه قميص جديد فقال بعض إخوانه من أين لك هذا فقال كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته
الثَّالِثُ إِعَانَةُ الْمُعْطِي عَلَى إِسْرَارِ الْعَمَلِ فَإِنَّ فَضْلَ السِّرِّ عَلَى الْجَهْرِ فِي الْإِعْطَاءِ أَكْثَرُ والإعانة على إتمام المعروف معروف والكتمان لا يتم إلا باثنين فمهما أظهر هذا انكشف أمر المعطي ودفع رَجُلٌ إِلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ شَيْئًا ظَاهِرًا فَرَدَّهُ إليه ودفع إليه آخر شيئًا في السر فقبله فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ هَذَا عمل الأدب فِي إِخْفَاءِ مَعْرُوفِهِ فَقَبِلْتُهُ وَذَاكَ أَسَاءَ أَدَبَهُ في عمله فرددته عليه وأعطى رجل لبعض الصوفية شيئًا في الملأ فرده فقال له لم ترد على الله ﷿ ما أعطاك فقال إِنَّكَ أَشْرَكْتَ غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَقْنَعْ بِاللَّهِ ﷿ فرددت عليك شركك
وقبل بعض العارفين في السر شيئًا كان رده في العلانية فقيل له في ذلك فقال عصيت الله بالجهر فلم أك عونًا لك على المعصية وأطعته بالإخفاء فأعنتك على برك
وقال الثوري لو علمت أن أحدكم لا يذكر صدقته ولا يتحدث بها لقبلت صدقته
الرَّابِعُ أَنَّ فِي إِظْهَارِ الْأَخْذِ ذُلًّا وَامْتِهَانًا وليس للمؤمن أن يذل نفسه
كان بعض العلماء يأخذ في السر ولا يأخذ في العلانية ويقول إن في إظهاره إذلالًا للعلم وامتهانًا لأهله فما كنت بالذي أرفع شيئًا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله
الخامس الاحتراز عن شبهة الشركة قال ﷺ مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهُمْ شركاؤه فيها (١) وبأن يكون ورقًا أو ذهبًا لا يخرج عن كونه هدية قَالَ ﷺ أَفْضَلُ مَا يهدي الرجل إلى أخيه ورقًا أو يطعمه خبزًا (٢) فجعل الورق هدية بانفراده فما يعطى في الملأ مكروه إلا برضا جميعهم ولا يخلو عن شبهة فإذا انفرد سلم من هذه الشبهة
أما الإظهار والتحدث به ففيه معان أربعة
الأول الإخلاص والصدق والسلامة عن تلبيس الحال والمراءاة
والثاني إسقاط الجاه والمنزلة وإظهار العبودية والمسكنة والتبري عن الكبرياء ودعوى الاستغناء وإسقاط النفس من أعين الخلق
قال بعض العارفين لتلميذه أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذ فإنك لا تخلو عن أحد رجلين
_________
(١) حديث مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهُمْ شركاؤه فيها أخرجه العقيلي وابن حبان في الضعفاء والطبراني في الأوسط والبيهقي من حديث ابن عباس قال العقيلي لا يصح في هذا المتن حديث
(٢) حديث أفضل ما يهدي الرجل إلى أخيه ورقًا أو يعطيه خبزا أخرجه ابن عدي وضعفه من حديث ابن عمر أفضل العمل عند الله أن يقضي عن مسلم دينه أو يدخل عليه سرورا أو يطعمه خبزا ولأحمد والترمذي وصححه من حديث البراء من منح منحة ورق أو منحة لبن أو أهدى رقاقا فهو كعتاق نسمة
227
المجلد
العرض
41%
الصفحة
227
(تسللي: 227)