اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

إحياء علوم الدين

أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
إحياء علوم الدين - أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
توفاه الله ﷿ ثم جعل تربته فيها وتربة وزيريه القائمين بالحق بعده ﵄
ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول الله ﷺ عند تردداته فيها وأنه ما من موضع قدم تطؤه إلا وهو موضع أقدامه العزيزة فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة ووجل
وتذكر مشيه وتخطيه في سككها وتصور خشوعه وسكينته في المشي وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته
ثم تذكر ما من الله تعالى به على الذين أدركوا صحبته وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه ﵃
ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة وقد حيل بينك وبين قبوله إياك بسوء عملك كما قال ﷺ يرفع الله إلي أقوامًا فيقولون يا محمد فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول بعدًا وسحقًا (١) فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه بعدولك عن محجته
وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول الله تعالى بينك وبينه بعد أن رزقك الإيمان وأشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة ولا حظ في الدنيا بل لمحض حبك له وشوقك إلى أن تنظر إلى آثاره وإلى حائط قبره إذ سمحت نفسك بالسفر بمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته فما أجدرك بأن ينظر الله تعالى إليك بعين الرحمة
فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها الله سبحانه لنبيه ﷺ وَلِأَوَّلِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَلِهِمْ عِصَابَةً وَأَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوَّلُ مَا أُقِيمَتْ فِي تِلْكَ الْعَرْصَةِ وَأَنَّهَا جَمَعَتْ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا فليعظم أملك في الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه فادخله خاشعًا معظمًا
وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن كما حكي عن أبي سليمان أنه قال حج أويس القرني ﵁ ودخل المدينة فلما وقف على باب المسجد قيل له هذا قبر النبي ﷺ فغشي عليه فلما أفاق قال أخرجوني فليس يلذ لي بلد فيه محمد ﷺ مدفون
وأما زيارة رسول الله ﷺ فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفنا وتزوره ميتًا كما تزوره حيًا ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيًا
وكما كنت ترى الحرمة في ان لا تمس شخصه ولا تقبله بل تقف من بعد ماثلًا بين يديه فكذلك فافعل فَإِنَّ الْمَسَّ وَالتَّقْبِيلَ لِلْمَشَاهِدِ عَادَةُ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ
واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه سلامك وصلاتك فمثل صورته الكريمة في خيالك موضوعًا في اللحد بإزائك وأحضر عظيم رتبته في قلبك فقد روي عنه ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وكل بقبره ملكًا يبلغه سلام من سلم عليه من أمته (٢) وهذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقًا إلى لقائه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة وَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرًا (٣) فهذا جزاءه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ببدنه ثم ائت منبر الرسول ﷺ وتوهم صعود النبي ﷺ المنبر ومثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر
_________
(١) حديث يرفع إلي أقوام فيقولون يا محمد يا محمد فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول بعدًا وسحقًا متفق عليه من حديث ابن مسعود وأنس وغيرهم دون قوله يا محمد يا محمد
(٢) حديث إن الله وكل بقبره ﷺ ملكًا يبلغه سلام من سلم عليه من أمته أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام
(٣) حديث من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو
271
المجلد
العرض
50%
الصفحة
271
(تسللي: 271)