إحياء علوم الدين - أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي
خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم وقد قيل لا يكون المريد مريدًا حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف منه النقصان من المزيد ويستغني بالمولى عن العبيد
السَّادِسُ التَّخَلِّي عَنْ مَوَانِعِ الْفَهْمِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الناس منعوا عن فهم معاني الْقُرْآنِ لِأَسْبَابٍ وَحُجُبٍ أَسْدَلَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن قال ﷺ لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت (١) ومعاني القرآن من جملة الملكوت وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت
وحجب الفهم أربعة أولها أَنْ يَكُونَ الْهَمُّ مُنْصَرِفًا إِلَى تَحْقِيقِ الْحُرُوفِ بإخراجها من مَخَارِجِهَا وَهَذَا يَتَوَلَّى حِفْظَهُ شَيْطَانٌ وُكِّلَ بِالْقُرَّاءِ لِيَصْرِفَهُمْ عَنْ فَهْمِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ ﷿ فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَخْرَجِهِ
فَهَذَا يَكُونُ تَأَمُّلُهُ مَقْصُورًا عَلَى مَخَارِجِ الْحُرُوفِ فَأَنَّى تَنْكَشِفُ لَهُ الْمَعَانِي وَأَعْظَمُ ضَحِكَةٍ لِلشَّيْطَانِ من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس
ثانيها أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفًا على مسموعه فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله
ولمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم
فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابًا وهو منتهى المطلب وهذا التقليد قد يكون باطلًا فيكون مانعًا كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار فإن خطر له مثلًا في القدوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه ولو استقر في نفسه لانجر إلى كشف ثاني وثالث ولتواصل ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده بالباطل وقد يكون حقًا ويكون أيضًا مانعًا من الفهم والكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات وله مبدأ ظاهر وغور باطن وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد
ثالثها أن يكون مصرًا على ذنب أو متصفًا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون
وكلما كانت الشهوات أشد تراكما كما كانت معاني الكلام أشد احتجابًا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه
فالقلب مثل المرآة والشهوات مثل الصدإ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة
والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة ولذلك قال ﷺ إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي (٢) قال الفضيل يعني حرموا فهم القرآن
وقد شرط الله ﷿ الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ وقال ﷿ ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ وقال تعالى ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة
_________
(١) حديث لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت تقدم في الصلاة
(٢) حديث إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف حرموا بركة الوحي رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلا من حديث الفضل بن عياض قال ذكر عن نبي الله ﷺ
السَّادِسُ التَّخَلِّي عَنْ مَوَانِعِ الْفَهْمِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الناس منعوا عن فهم معاني الْقُرْآنِ لِأَسْبَابٍ وَحُجُبٍ أَسْدَلَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن قال ﷺ لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت (١) ومعاني القرآن من جملة الملكوت وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت
وحجب الفهم أربعة أولها أَنْ يَكُونَ الْهَمُّ مُنْصَرِفًا إِلَى تَحْقِيقِ الْحُرُوفِ بإخراجها من مَخَارِجِهَا وَهَذَا يَتَوَلَّى حِفْظَهُ شَيْطَانٌ وُكِّلَ بِالْقُرَّاءِ لِيَصْرِفَهُمْ عَنْ فَهْمِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ ﷿ فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يُخَيِّلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَخْرَجِهِ
فَهَذَا يَكُونُ تَأَمُّلُهُ مَقْصُورًا عَلَى مَخَارِجِ الْحُرُوفِ فَأَنَّى تَنْكَشِفُ لَهُ الْمَعَانِي وَأَعْظَمُ ضَحِكَةٍ لِلشَّيْطَانِ من كان مطيعًا لمثل هذا التلبيس
ثانيها أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفًا على مسموعه فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله
ولمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم
فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابًا وهو منتهى المطلب وهذا التقليد قد يكون باطلًا فيكون مانعًا كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار فإن خطر له مثلًا في القدوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه ولو استقر في نفسه لانجر إلى كشف ثاني وثالث ولتواصل ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده بالباطل وقد يكون حقًا ويكون أيضًا مانعًا من الفهم والكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات وله مبدأ ظاهر وغور باطن وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد
ثالثها أن يكون مصرًا على ذنب أو متصفًا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون
وكلما كانت الشهوات أشد تراكما كما كانت معاني الكلام أشد احتجابًا وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه
فالقلب مثل المرآة والشهوات مثل الصدإ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة
والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة ولذلك قال ﷺ إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي (٢) قال الفضيل يعني حرموا فهم القرآن
وقد شرط الله ﷿ الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى ﴿تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ وقال ﷿ ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ وقال تعالى ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة
_________
(١) حديث لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت تقدم في الصلاة
(٢) حديث إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف حرموا بركة الوحي رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف معضلا من حديث الفضل بن عياض قال ذكر عن نبي الله ﷺ
284