أيقونة إسلامية

فقه الترجيح المذهبي

صلاح أبو الحاج
فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج

المطلب الثاني: وظائف المجتهدين:

وتجلّت هذه الوظيفةُ بوضوح في علماءِ القرن الثّالث والرابع إجمالاً: كعيسى ابن أبان والجُوزجانيّ وأبو حفص الكبير ومحمّدُ بن مقاتل والخصّاف والجصّاص والكَرخيّ والطّحاويّ وأبي الليث السَّمرقنديّ وغيرُهم.
فمثلاً انفرد الكرخيُّ عن أبي حنيفة وغيره في أنَّ العام بعد التَّخصيص لا يبقى حجّةً أصلاً، وأنَّ الخبر الواحد الوارد في حادثة تعم بها البلوى، ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أنَّ العام المخصوص حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز (¬1).
ويلاحظ أنَّ مدرسةَ محدّثي الفقهاء من متأخّري الحنفية وافقوا سير هذه الطبقة في اعتمادهم أُصولاً للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر في ضعف ترجيحاتهم، بخلاف هذه الطبقة، فإنَّ ترجيحها من أقوى التَّرجيحات وكذلك تخريجها، والأصول التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة، وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتِهم يرجِّحون من خلالها، وغفلةٍ واضحةٍ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقبولها وردّها، قال الجصّاص (¬2): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم».
¬__________
(¬1) ينظر: حسن التقاضي ص89، أنوار.
(¬2) في شرح مختصر الطحاوي4: 244.
المجلد
العرض
28%
تسللي / 553