أيقونة إسلامية

فقه الترجيح المذهبي

صلاح أبو الحاج
فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج

مقدمةٌ في بيان معنى العرف ودليل العمل به

واعلم أن اعتبارَ العادة والعرف رُجِع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلاً، فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة، هكذا ذكر فخرُ الإسلام، انتهى كلام «الأشباه» (¬1).
وفي «شرح الأشباه» للبيري قال: في المُشَرَّعِ الثابت بالعرف ثابتٌ بدليل شرعي (¬2)، وفي «المبسوط»: «الثَّابتُ بالعرفِ كالثَّابت بالنصّ»، انتهى (¬3).
¬__________
(¬1) الأشباه والنظائر: 265.
(¬2) معناها أن الشريعة اعتبرت في غير العبادات مراعاة الواقع؛ لأنها بنت الأحكام على علل، فلا بد من مراعاة وجود هذه العلل قبل إعطاء الحكم الشرعي، وهذه العلة مرتبطة بالواقع من حيث وجودها وعدمها، فإن وجدت وجد الحكم، وإن عدمت عدم الحكم، فكان معنى قوله الثابت بالعرف هو اعتبار الشارع لمراعاة الواقع، فيكون هذا الواقع مرشداً لوجود علة الحكم وعدمها، فيكون الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي من حيث اعتبار الشارع للواقع، ومن حيث أن العرف يدل على وجود العلة، لا من حيث أنه العرف مشرع ابتداءً؛ لأن العرف مظهر ومرشد لا غير.
(¬3) من المبسوطالأيمان 19: 41، وهي مذكورة في باب الكسوة، فدلّ أن المقصود به نصّ الحالف لا نص الشارع، وقد وردت هذه القاعدة في مواضع عديدة من المبسوط، وهي محمولة على أن في العرف دلالة في بيان ما لم يصرح به المتكلّم، فيكون المقصود بالنص: هو الكلام، فالعرف يقوم مقام تصريح المتكلِّم، وهذا ما صَرَّحوا به في قاعدة المعروف بالعرف كالمشروطِ باللفظ، كما في درر الحكام عند شرح القاعدة (43) 1: 51، وذكر في المبسوط 13: 15: وإن كان شرطاً لا يقتضيه العقد، وفيه عرف ظاهر فذلك جائز، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً, بشرط أن يحذوه البائع؛ لأنّ الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي; ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجّاً بيِّناً، انتهى.
ومعناه هاهنا: أن العرف يُبَيِّن صلاحية المحلّ في تحقق العلّة الواردة في النصّ الشرعي، فلم يعد القياس ممكناً في المحلّ؛ لأنّ العرفَ قاضٍ عليه بمعنى لم يعد المحلُّ موضعاً للقياس؛ إذ النَّهي عن بيعٍ وشرطٍ لتحقُّق النِّزاع فيه، فهي علّتُه، وإن تعارف الناس البيع مع شرط بدون تحقُّق النزاع بينهما، صار هذا العرف رافعاً للعلّة في هذا الموضع وقاضياً على القياس.
ويؤيد هذا ما قرَّره البابرتي في العناية 6: 442 في هذا الموضع حيث قال: يقال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «بيع وشرط»، وهو بإطلاقه يقتضي عدم جوازه؛ لأنه في الحقيقة ليس بشرط حيث أفاد ما أفاده العقد المطلق ... وهو ما كان متعارفاً كبيع النعل مع شرط التشريك كذلك؛ لأنّ الثَّابتَ بالعرف قاضٍ على القياس، لا يُقال: فسادُ البيع شرطٌ ثابتٌ بالحديثِ والعرفُ ليس بقاضٍ عليه؛ لأنّه معلولٌ بوقوعِ النِّزاع المخرج للعقد عن المقصودِ به، وهو قطعُ المنازعة، والعُرف ينفي النِّزاع، فكان موافقاً لمعنى الحديث, فلم يبق من الموانع إلا القياس على ما لا عُرف فيه بجامع كونه شرطاً, والعرفُ قاض عليه، انتهى.
ولعلَّ ممَّا يؤكد هذا أنّ ما ورد من النهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن «بيع وشرط» محمولٌ على النِّزاع هو الاختلاف الحاصل فيما نُقل عنه - صلى الله عليه وسلم -: فقد روى الطَّبَرَانِي في «معجمه الأوْسَطِ»: عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكّة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَة، فسألت أبا حنيفة عن رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً. فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فسألته فقال: البيع جائزٌ والشرط جائزٌ. فقلت: سبحان الله ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا في مسألةٍ واحدةٍ. فأتيت أبا حنيفة فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيعِ وشرطٍ»، البيع باطلٌ والشرط باطلٌ. ثمّ أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته. فقال: ما أدري ما قالا: حدّثني هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اشتري بَرِيرَة فأُعْتقها»، البيع جائزٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيت ابن شُبْرُمَة فأخبرته. فقال: لا أدري ما قالا: حدّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحَارب بن دِثَارٍ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: «بعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقةً وشرط لي حملانها إلى المدينة» ـ البيع جائزٌ والشرطُ جائزٌ، كما في فتح باب العناية، وأفاض الشيخ عوامة في هامش أثر الحديث ص 157 ـ 162 في صلاحية هذه القصّة للاحتجاج.
المجلد
العرض
76%
تسللي / 553