فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج
البابُ الأول إذا خالف العرف الدَّليل الشَّرعي
ويدلُّ عليه: ما قدّمناه عن «الذَّخيرة» في رَدِّ ما قاله بعضُ مشايخِ بَلْخٍ
من اعتبارِهم عرف بَلْخٍ في بيعِ الشِّربِ ونحوه بأنَّ عرفَ أَهلِ بلدةٍ واحدةٍ لا يُتْرَكُ به القياس، ولا يُخَصُّ به الأثر (¬1).
ولو كان المرادُ بالعرفِ ما ذكرْتَه (¬2) لكان حقُّ الكلام في الردِّ عليهم أن يُقال: إنّ العرفَ الحادث لا يتركُ به القياس ... الخ، فليتأمّل.
ولو سُلِّمَ أنّ المرادَ بالعرفِ العامّ ما ذكرتَه، فاعتبار العرف الخاص ببلدة واحدة قولٌ في المذهب، والقولُ الضَّعيفُ يجوز العمل به عند الضَّرورة، كما بيَّنتُه في آخر «شرح المنظومة»، والله تعالى أعلم.
بل ذكر في «فتح القدير»: «مسألةَ شراءِ النَّعلِ على أن يحذوها البائعُ أنّه يجوز البيع استحساناً، ويلزم الشَّرط للتَّعامل، ثمّ قال: ومثلُه في ديارِنا شراء القَبْقَاب على أن يُسَمِّرَ له سيراً»، انتهى (¬3).
فهذا عرفٌ حادثٌ وخاصٌ أَيضاً؛ إذ كثيرٌ من البلادِ لا يُلبسُ فيها القَبْقَاب، وقد جعله معتبراً مخصِّصاً للنصِّ النَّاهي عن «بيعٍ بشرطٍ» (¬4).
¬__________
(¬1) سبق بيان أنه محلّ نظر، فليراجع.
(¬2) أي العرف العام خاص بعرف الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم.
(¬3) من فتح القدير6: 451.
(¬4) ما قرَّره ابنُ عابدين في بحثه الأخير هنا من اعتبار العرف العام مطلقاً في تخصيص الأثر والقضاء على القياس هو المعتبر، وهو تحقيق بديع، إلا أنه في بحثه نقض ما أسسه في بداية الرِّسالة من أنّ العرف الخاصّ لا يُخصُّ به الأثر ولا يكون قاضيا على القياس، ففي التَّطبيق هاهنا صرَّح بأن مسألةَ القَبقَاب من العرف الخاصّ، ومع ذلك فإنّ ابنَ الهُمام خصَّص بها الأثر الوارد في النَّهي عن «بيع وشرط»، وأقرّه ابنُ عابدين على ذلك، بأن تخصيصَه وقضاءه كان صحيحاً، وهذا ناقض لما قرَّره سابقاً، ومسائل الفقه التي تشهد لمثل هذا لا تُحصى، والواقعُ يُقرِّره، فكان هذا اضطراباً من ابن عابدين في تحقيق المسألة، بحيث قرَّر شيئاً، وطبق آخر، فليحفظ مثل هذا، ولينتبه إلى زلة القدم التي وقع فيها مثل هذا العالم النحرير، خاتمة المحقّقين.
من اعتبارِهم عرف بَلْخٍ في بيعِ الشِّربِ ونحوه بأنَّ عرفَ أَهلِ بلدةٍ واحدةٍ لا يُتْرَكُ به القياس، ولا يُخَصُّ به الأثر (¬1).
ولو كان المرادُ بالعرفِ ما ذكرْتَه (¬2) لكان حقُّ الكلام في الردِّ عليهم أن يُقال: إنّ العرفَ الحادث لا يتركُ به القياس ... الخ، فليتأمّل.
ولو سُلِّمَ أنّ المرادَ بالعرفِ العامّ ما ذكرتَه، فاعتبار العرف الخاص ببلدة واحدة قولٌ في المذهب، والقولُ الضَّعيفُ يجوز العمل به عند الضَّرورة، كما بيَّنتُه في آخر «شرح المنظومة»، والله تعالى أعلم.
بل ذكر في «فتح القدير»: «مسألةَ شراءِ النَّعلِ على أن يحذوها البائعُ أنّه يجوز البيع استحساناً، ويلزم الشَّرط للتَّعامل، ثمّ قال: ومثلُه في ديارِنا شراء القَبْقَاب على أن يُسَمِّرَ له سيراً»، انتهى (¬3).
فهذا عرفٌ حادثٌ وخاصٌ أَيضاً؛ إذ كثيرٌ من البلادِ لا يُلبسُ فيها القَبْقَاب، وقد جعله معتبراً مخصِّصاً للنصِّ النَّاهي عن «بيعٍ بشرطٍ» (¬4).
¬__________
(¬1) سبق بيان أنه محلّ نظر، فليراجع.
(¬2) أي العرف العام خاص بعرف الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم.
(¬3) من فتح القدير6: 451.
(¬4) ما قرَّره ابنُ عابدين في بحثه الأخير هنا من اعتبار العرف العام مطلقاً في تخصيص الأثر والقضاء على القياس هو المعتبر، وهو تحقيق بديع، إلا أنه في بحثه نقض ما أسسه في بداية الرِّسالة من أنّ العرف الخاصّ لا يُخصُّ به الأثر ولا يكون قاضيا على القياس، ففي التَّطبيق هاهنا صرَّح بأن مسألةَ القَبقَاب من العرف الخاصّ، ومع ذلك فإنّ ابنَ الهُمام خصَّص بها الأثر الوارد في النَّهي عن «بيع وشرط»، وأقرّه ابنُ عابدين على ذلك، بأن تخصيصَه وقضاءه كان صحيحاً، وهذا ناقض لما قرَّره سابقاً، ومسائل الفقه التي تشهد لمثل هذا لا تُحصى، والواقعُ يُقرِّره، فكان هذا اضطراباً من ابن عابدين في تحقيق المسألة، بحيث قرَّر شيئاً، وطبق آخر، فليحفظ مثل هذا، ولينتبه إلى زلة القدم التي وقع فيها مثل هذا العالم النحرير، خاتمة المحقّقين.