فقه العبادات للعثيمين - محمد بن صالح بن محمد العثيمين
السؤال (٦٤): فضيلة الشيخ، ما هي الطهارة؟
الجواب: الطهارة معناها: النظافة والنزاهة، وهي في الشرع على نوعين: طهارة معنوية، وطهارة حسية، أما الطهارة المعنوية: فهي طهارة القلوب من الشرك والبدع في عبادة الله، ومن الغل، والحقد، والحسد، والبغضاء، والكراهة، وما أشبه ذلك في معاملة عباد الله الذين لا يستحقون هذا.
أما الطهارة الحسية: فهي طهارة البدن، وهي أيضًا نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة وإزالة الخبث.
نتكلم أولًا عن الطهارة المعنوية: وهي طهارة القلب من الشرك والبدع فيما يتعلق بحقوق الله ﷿، وهذا هو أعظم الطهارتين، ولهذا تنبني عليه جميع العبادات، فلا تصح أي عبادة من شخص ملوث قلبه بالشرك، ولا تصح أي بدعة يتقرب بها الإنسان إلى الله ﷿، وهي مما لم يشرعه الله ﷿، قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (التوبة: ٥٤)، وقال النبي ﷺ: " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) .
وعلى هذا، فالمشرك بالله شركًا أكبر لا تقبل عبادته وإن صلى وإن صام وزكى وحج، فمن كان يدعو غير الله ﷿، أو يعبد غير الله فإن عبادته لله ﷿ غير مقبولة، حتى وإن كان يتعبد لله تعالى عبادة يخلص فيها لله، ما دام قد أشرك بالله شركًا أكبر من جهة أخرى.
ولهذا وصف الله ﷿ المشركين بأنهم نجس، فقال تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨)، ونفى النبي ﷺ النجاسة عن المؤمن، فقال ﷺ "إن المؤمن لا ينجس" (٢)، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن أن يعتني به عناية كبيرة ليطهر قلبه منه.
كذلك أيضًا يطهر قلبه من الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهة للمؤمنين، لأن هذه كلها صفات ذميمة ليست من خلق المؤمن، فالمؤمن أخو المؤمن، لا يكرهه ولا يعتدي عليه، ولا يحسده، بل يتمنى الخير لأخيه كما يتمنى الخير لنفسه، حتى إن الرسول ﷺ نفى الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فقال ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٣)، ونرى كثيرًا من الناس أهل خير وعبادة وتقوى وزهد، ويكثرون التردد إلى المساجد، ليعمروها بالقراءة والذكر والصلاة، لكن يكون لديهم حقد على بعض إخوانهم المسلمين، أو حسد لمن أنعم الله عليه بنعمة، وهذا يخل كثيرًا فيما يسلكونه من عبادة الله ﷾، فعلى كل منا أن يطهر قلبه من هذه الأدناس بالنسبة لإخوانه المسلمين.
أما الطهارة الحسية: فهي كما قلت نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وإزالة خبث.
فأما إزالة الوصف: فهي رفع الحدث الأصغر والأكبر، بغسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر، وغسل جميع البدن في الحدث الأكبر، إما بالماء لمن قدر عليه، وإما بالتيمم لمن لم يقدر على الماء، وفي هذا أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦) .
أما النوع الثاني: فهو الطهارة من الخبث، أي من النجاسة، وهي كل عين أوجب الشرع على العباد أن يتنزهوا منها ويتطهروا منها، كالبول والغائط ونحوهما مما دلت السنة بل مما دلت الشريعة على نجاسته، ولهذا قال الفقهاء ﵏: الطهارة إما عن حدث وإما عن خبث، ويدل لهذا النوع أعني الطهارة من الخبث ما رواه أهل السنن أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما أنصرف النبي ﷺ سألهم أي سأل الصحابة-: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال ﷺ: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى" (٤)، يعني قذرًا، فهذا هو الكلام على لفظ الطهارة.
الأصل في التطهير
_________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم (١٧١٨) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المؤمن لا ينجس، رقم (٢٨٣)، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، رقم (٣٧١) .
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم (١٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه وجاره ما يحب لنفسه، رقم (٤٥) .
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، رقم (٦٥٠)، وأحمد في المسند (٣/٤١١) .
الجواب: الطهارة معناها: النظافة والنزاهة، وهي في الشرع على نوعين: طهارة معنوية، وطهارة حسية، أما الطهارة المعنوية: فهي طهارة القلوب من الشرك والبدع في عبادة الله، ومن الغل، والحقد، والحسد، والبغضاء، والكراهة، وما أشبه ذلك في معاملة عباد الله الذين لا يستحقون هذا.
أما الطهارة الحسية: فهي طهارة البدن، وهي أيضًا نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة وإزالة الخبث.
نتكلم أولًا عن الطهارة المعنوية: وهي طهارة القلب من الشرك والبدع فيما يتعلق بحقوق الله ﷿، وهذا هو أعظم الطهارتين، ولهذا تنبني عليه جميع العبادات، فلا تصح أي عبادة من شخص ملوث قلبه بالشرك، ولا تصح أي بدعة يتقرب بها الإنسان إلى الله ﷿، وهي مما لم يشرعه الله ﷿، قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (التوبة: ٥٤)، وقال النبي ﷺ: " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) .
وعلى هذا، فالمشرك بالله شركًا أكبر لا تقبل عبادته وإن صلى وإن صام وزكى وحج، فمن كان يدعو غير الله ﷿، أو يعبد غير الله فإن عبادته لله ﷿ غير مقبولة، حتى وإن كان يتعبد لله تعالى عبادة يخلص فيها لله، ما دام قد أشرك بالله شركًا أكبر من جهة أخرى.
ولهذا وصف الله ﷿ المشركين بأنهم نجس، فقال تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨)، ونفى النبي ﷺ النجاسة عن المؤمن، فقال ﷺ "إن المؤمن لا ينجس" (٢)، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن أن يعتني به عناية كبيرة ليطهر قلبه منه.
كذلك أيضًا يطهر قلبه من الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهة للمؤمنين، لأن هذه كلها صفات ذميمة ليست من خلق المؤمن، فالمؤمن أخو المؤمن، لا يكرهه ولا يعتدي عليه، ولا يحسده، بل يتمنى الخير لأخيه كما يتمنى الخير لنفسه، حتى إن الرسول ﷺ نفى الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فقال ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٣)، ونرى كثيرًا من الناس أهل خير وعبادة وتقوى وزهد، ويكثرون التردد إلى المساجد، ليعمروها بالقراءة والذكر والصلاة، لكن يكون لديهم حقد على بعض إخوانهم المسلمين، أو حسد لمن أنعم الله عليه بنعمة، وهذا يخل كثيرًا فيما يسلكونه من عبادة الله ﷾، فعلى كل منا أن يطهر قلبه من هذه الأدناس بالنسبة لإخوانه المسلمين.
أما الطهارة الحسية: فهي كما قلت نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وإزالة خبث.
فأما إزالة الوصف: فهي رفع الحدث الأصغر والأكبر، بغسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر، وغسل جميع البدن في الحدث الأكبر، إما بالماء لمن قدر عليه، وإما بالتيمم لمن لم يقدر على الماء، وفي هذا أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦) .
أما النوع الثاني: فهو الطهارة من الخبث، أي من النجاسة، وهي كل عين أوجب الشرع على العباد أن يتنزهوا منها ويتطهروا منها، كالبول والغائط ونحوهما مما دلت السنة بل مما دلت الشريعة على نجاسته، ولهذا قال الفقهاء ﵏: الطهارة إما عن حدث وإما عن خبث، ويدل لهذا النوع أعني الطهارة من الخبث ما رواه أهل السنن أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما أنصرف النبي ﷺ سألهم أي سأل الصحابة-: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال ﷺ: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى" (٤)، يعني قذرًا، فهذا هو الكلام على لفظ الطهارة.
الأصل في التطهير
_________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، رقم (١٧١٨) .
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المؤمن لا ينجس، رقم (٢٨٣)، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، رقم (٣٧١) .
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم (١٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه وجاره ما يحب لنفسه، رقم (٤٥) .
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، رقم (٦٥٠)، وأحمد في المسند (٣/٤١١) .
113