شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية - محمد المختار بن محمد بن أحمد مزيد الجكني الشنقيطي (المتوفى في المدينة: ١٤٠٥ هـ)
يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفازًا وعدوًا كثيرًا فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان، قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فارجع، ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكر في رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال: وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، ونظره في عطفيه فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله - ﷺ -، قال كعب: فلما بلغني أنه توجه قافلًا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله - ﷺ - قد أظل قادمًا زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن
1517