فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج
مقدمةٌ في بيان معنى العرف ودليل العمل به
وأيضاً: فإنّ ظاهرَ الرِّواية قد يكون مبنياً على صريحِ النَّصِّ من الكتاب أو السُّنّة أو الإجماع (¬1)، ولا اعتبار للعرف المخالف للنَّصّ (¬2)؛ لأنّ العرف قد
¬__________
(¬1) الاجتهاد يمر في مرحلتين:
الأولى: الاستنباط، وهي تطبيق قواعد الأصول للمجتهد المطلق على نصوص القرآن والسنة؛ لاستخراج القواعد الفقهية الجزئية، وهي تمثل أصول البناء للمسائل الفقهية، فهي خلاصة وزبدة ما في القرآن والسنة في موضوع ما، بحيث تكون وفقت بين الأدلة المتعددة الواردة، وأظهرت الأصل الذي بنيت عليه أحكامها، فلا يبنى حكم على آية منفردة أو حديث منفردة إلا بالنظر في جميع الأدلة الواردة في الباب حتى لا يكون ترك لأدلة الشرع.
والثانية: التخريج، وهي استخراج الفروع من القاعدة التي بنيت في مرحلة الاستبناط، فكل ما يأتي من مسائل متوافقة مع ذلك الأصل بتوفر العلة فيها، فإنها تأخذ نفس الحكم لها.
وهذه القواعد التي تستمد منها الفروع هي عبارة عن علل وأحكام، بحيث إن توفرت العلة في القاعدة هذه الفرع المستجد أخذ حكم هذه القاعدة، والعلّة يراعى في وجودها الواقع فلا يُمكن النظر إليها بدون الالتفات للعرف؛ لأنه هو المخبر عن وجود العلة في الفرع الجديد، فالأحكام عندنا معلّلة لا تعبدية، فلا بد من مراعاة الواقع في عامة الأحكام.
(¬2) هذا المعنى منقول في الهداية 7: 14 ـ 15: «وكل شيء نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تحريم
التفاضل فيه كيلاً فهو مكيلٌ أبداً، وإن ترك الناس الكيلَ فيه مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكلُّ ما نصّ على تحريم التَّفاضل فيه وزناً، فهو موزون أبداً، وإن ترك الناس الوزن فيه مثل الذهب والفضة؛ لأنّ النصَّ أقوى من العرف، والأقوى لا يترك بالأدنى، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس؛ لأنها دلالة، وعن أبي يوسف: أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت، فعلى هذا لو باع الحنطة بجنسها متساويا وزناً، أو الذهب بجنسه متماثلاً كيلاً لا يجوز عندهما» أي أبي حنيفة ومحمد.
وتوصيح ذلك أن أن النصوص في نظر المجتهد على نوعين: معللة وغير معللة: أي مقصودة بذاتها، وتحديد راجع لنظر المجتهد، ففي نص الأصناف الستة الربوية اختلفت الأنظار عند أصحابنا، فأبو حنيفة ومحمد جعلا النصّ في هذه الأصناف الستة مقصود بذاته وغير معلل وفي غيرها من الأصناف معلل، وأما أبو يوسف فجعل النصّ معللاً في الأصناف الستة وغيرها.
فيكون معنى قول صاحب «الهداية»: «لأنّ النصَّ أقوى من العرف»، خاص بهذه المسألة وأمثالها من المسائل التي بنيت على نصّ غير معلل، وبالتالي لا يلتفت فيها إلى العرف، والنصّ هو الحاكم فيها، وهو أقوى من العرف؛ لأنها لم تبن على العرف حتى يلتفت فيها، وهذا كله راجع لنظر المجتهد، بخلاف غيره من المجتهدين الذي نظروا في نفس المسألة ورأوا أنها معللة فإنهم يراعون العرف فيها، ويجعلونه مفسّراً وموضحاً للعلة الموجودة في النصّ، كما ذكر صاحب «الهداية» في تعليل قول أبي يوسف: «أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت»، فجعل نظر أبي يوسف إلى النص معللّ، وقد تبدلت العلة كما أخبرنا العرف.
¬__________
(¬1) الاجتهاد يمر في مرحلتين:
الأولى: الاستنباط، وهي تطبيق قواعد الأصول للمجتهد المطلق على نصوص القرآن والسنة؛ لاستخراج القواعد الفقهية الجزئية، وهي تمثل أصول البناء للمسائل الفقهية، فهي خلاصة وزبدة ما في القرآن والسنة في موضوع ما، بحيث تكون وفقت بين الأدلة المتعددة الواردة، وأظهرت الأصل الذي بنيت عليه أحكامها، فلا يبنى حكم على آية منفردة أو حديث منفردة إلا بالنظر في جميع الأدلة الواردة في الباب حتى لا يكون ترك لأدلة الشرع.
والثانية: التخريج، وهي استخراج الفروع من القاعدة التي بنيت في مرحلة الاستبناط، فكل ما يأتي من مسائل متوافقة مع ذلك الأصل بتوفر العلة فيها، فإنها تأخذ نفس الحكم لها.
وهذه القواعد التي تستمد منها الفروع هي عبارة عن علل وأحكام، بحيث إن توفرت العلة في القاعدة هذه الفرع المستجد أخذ حكم هذه القاعدة، والعلّة يراعى في وجودها الواقع فلا يُمكن النظر إليها بدون الالتفات للعرف؛ لأنه هو المخبر عن وجود العلة في الفرع الجديد، فالأحكام عندنا معلّلة لا تعبدية، فلا بد من مراعاة الواقع في عامة الأحكام.
(¬2) هذا المعنى منقول في الهداية 7: 14 ـ 15: «وكل شيء نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تحريم
التفاضل فيه كيلاً فهو مكيلٌ أبداً، وإن ترك الناس الكيلَ فيه مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكلُّ ما نصّ على تحريم التَّفاضل فيه وزناً، فهو موزون أبداً، وإن ترك الناس الوزن فيه مثل الذهب والفضة؛ لأنّ النصَّ أقوى من العرف، والأقوى لا يترك بالأدنى، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس؛ لأنها دلالة، وعن أبي يوسف: أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت، فعلى هذا لو باع الحنطة بجنسها متساويا وزناً، أو الذهب بجنسه متماثلاً كيلاً لا يجوز عندهما» أي أبي حنيفة ومحمد.
وتوصيح ذلك أن أن النصوص في نظر المجتهد على نوعين: معللة وغير معللة: أي مقصودة بذاتها، وتحديد راجع لنظر المجتهد، ففي نص الأصناف الستة الربوية اختلفت الأنظار عند أصحابنا، فأبو حنيفة ومحمد جعلا النصّ في هذه الأصناف الستة مقصود بذاته وغير معلل وفي غيرها من الأصناف معلل، وأما أبو يوسف فجعل النصّ معللاً في الأصناف الستة وغيرها.
فيكون معنى قول صاحب «الهداية»: «لأنّ النصَّ أقوى من العرف»، خاص بهذه المسألة وأمثالها من المسائل التي بنيت على نصّ غير معلل، وبالتالي لا يلتفت فيها إلى العرف، والنصّ هو الحاكم فيها، وهو أقوى من العرف؛ لأنها لم تبن على العرف حتى يلتفت فيها، وهذا كله راجع لنظر المجتهد، بخلاف غيره من المجتهدين الذي نظروا في نفس المسألة ورأوا أنها معللة فإنهم يراعون العرف فيها، ويجعلونه مفسّراً وموضحاً للعلة الموجودة في النصّ، كما ذكر صاحب «الهداية» في تعليل قول أبي يوسف: «أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضاً؛ لأنّ النصّ على ذلك لمكان العادة، فكانت هي المنظور إليها، وقد تبدلت»، فجعل نظر أبي يوسف إلى النص معللّ، وقد تبدلت العلة كما أخبرنا العرف.