فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج
البابُ الأول إذا خالف العرف الدَّليل الشَّرعي
وفي (إجارة) «البَزَّازيّة» عن (إجارة) «الأصل»: استأجره ليحمل طعامَه بقفيزٍ منه (¬1)، فالإجارةُ فاسدةٌ ويجب أجر المثل لا يتجاوز به المُسَمَّى، وكذا لو دفع إلى حائك غزلاً على أن ينسجَه بالثُّلُث، ومشايخ بَلْخ وخوارزم أَفتوا بجوازِ إجارة الحائك للعرف، وبه أَفتى أبو عليّ النَّسفيُّ (¬2) أيضاً، والفتوى على
¬__________
(¬1) لأنّه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله، فيصير في معنى قفيز الطحان، وقد نهي عنه - صلى الله عليه وسلم -، وهو أن يستأجر ثوراً؛ ليطحن له حنطة بقفيزٍ من دقيقِه، فصار هذا أصلاً يعرف به فساد جنسه, والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر؛ لأنه بعض ما يخرج من عمل الأجير, والقدرة على التَّسليم شرطٌ لصحَّة العقد، وهو لا يقدر بنفسِه, وإنَّما يقدر بغيرِه فلا يُعَدُّ قادراً ففسد، فإذا نسج أو حمل فله أجر مثله لا يجاوز به المسمّى، لكن مشايخ بلخ والنسفيّ يجيزون حمل الطَّعام ببعض المحمول، ونسج الثَّوب ببعض المنسوج؛ لتعامل أهل بلادهم بذلك, وقالوا: مَن لم يجوِّزه إنما لم يجوزه بالقياس على قفيز الطحانِ والقياس يترك بالتَّعارف, ولئن قلنا: إنّ النَّصَّ يتناوله دلالةً فالنصُّ يختصُّ بالتَّعامل، ألا ترى أنّ الاستصناعَ تُرِكَ القياسُ فيه وخُصَّ عن القواعد الشرعيّة بالتعامل. ومشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص; لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة وبه لا يخص الأثر بخلاف الاستصناع، فإن التعامل به جرى في كلِّ البلاد، وبمثلِهِ يُترك القياس ويُخَصُّ الأثر, والحيلةُ في جوازِه أن يشترط قفيزاً مطلقاً من غير أن يشترط أنّه من المحمولِ أو من المطحونِ، فيجب في ذمّة المستأجر ثمّ يعطيه منه، كما في التبيين5: 130.
(¬2) وهو الحسين بن الخضر، المشهور بأبي علي النسفي، أخذ عن الإمام أبي بكر محمد بن فضل الكَمَاري، وتفقه عليه شمس الأئمة الحلواني شيخ السرخسي، (ت424هـ)، كما في طبقات ابن الحنائي ر78، وفي الجواهر المضية2: 68: الحسن بن عبد الملك النَّسَفِيّ، القاضي، أبو علي، من شيوخ أبي العبَّاس المُسْتَغْفِرِيّ.
¬__________
(¬1) لأنّه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله، فيصير في معنى قفيز الطحان، وقد نهي عنه - صلى الله عليه وسلم -، وهو أن يستأجر ثوراً؛ ليطحن له حنطة بقفيزٍ من دقيقِه، فصار هذا أصلاً يعرف به فساد جنسه, والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر؛ لأنه بعض ما يخرج من عمل الأجير, والقدرة على التَّسليم شرطٌ لصحَّة العقد، وهو لا يقدر بنفسِه, وإنَّما يقدر بغيرِه فلا يُعَدُّ قادراً ففسد، فإذا نسج أو حمل فله أجر مثله لا يجاوز به المسمّى، لكن مشايخ بلخ والنسفيّ يجيزون حمل الطَّعام ببعض المحمول، ونسج الثَّوب ببعض المنسوج؛ لتعامل أهل بلادهم بذلك, وقالوا: مَن لم يجوِّزه إنما لم يجوزه بالقياس على قفيز الطحانِ والقياس يترك بالتَّعارف, ولئن قلنا: إنّ النَّصَّ يتناوله دلالةً فالنصُّ يختصُّ بالتَّعامل، ألا ترى أنّ الاستصناعَ تُرِكَ القياسُ فيه وخُصَّ عن القواعد الشرعيّة بالتعامل. ومشايخنا لم يجوزوا هذا التخصيص; لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة وبه لا يخص الأثر بخلاف الاستصناع، فإن التعامل به جرى في كلِّ البلاد، وبمثلِهِ يُترك القياس ويُخَصُّ الأثر, والحيلةُ في جوازِه أن يشترط قفيزاً مطلقاً من غير أن يشترط أنّه من المحمولِ أو من المطحونِ، فيجب في ذمّة المستأجر ثمّ يعطيه منه، كما في التبيين5: 130.
(¬2) وهو الحسين بن الخضر، المشهور بأبي علي النسفي، أخذ عن الإمام أبي بكر محمد بن فضل الكَمَاري، وتفقه عليه شمس الأئمة الحلواني شيخ السرخسي، (ت424هـ)، كما في طبقات ابن الحنائي ر78، وفي الجواهر المضية2: 68: الحسن بن عبد الملك النَّسَفِيّ، القاضي، أبو علي، من شيوخ أبي العبَّاس المُسْتَغْفِرِيّ.