فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج
البابُ الأول إذا خالف العرف الدَّليل الشَّرعي
ذكرَ الشُّرَّاحُ أنّ البُرّ والشَّعيرَ والتَّمرَ والملحَ مكيلةً أبداً؛ لنصِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها (¬1)، فلا يتغيَّر أبداً، فيشترط التَّساوي بالكيل، ولا يُلْتَفَتُ إلى التَّساوي في الوزنِ دون الكيلِ، حتى لو باع حنطةً بحنطةٍ وزناً لا كيلاً لم يَجُز.
والذَّهب والفضَّة موزونةً أبداً؛ للنَّصِّ على وزنهما (¬2)، فلا بُدّ من التَّساوي
¬__________
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «التمرُ بالتمر، والحنطةُ بالحنطة، والشعيرُ بالشعير، والملحُ بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فمَن زاد أو استزاد فقد أربى إلاّ ما اختلفت ألوانه» في صحيح مسلم3: 1211.
نلاحظ من لفظ هذا الحديث وغيره عدم التَّنصيص على عدم جواز بيعها مكايلة، وإنّما ورد النَّص بجواز بيعها متساوية، وهذه الأصناف الأربعة طريقة تقديرها في ذلك الزمان هي الكيل، فكان الكيلُ هو الوسيلة؛ لتحقيق المساواة التي طلبها الشَّارع، ولَمّا كانت هذه الطَّريقة هي الشَّائعة في ذلك الزَّمان، ولم يُعرف غيرها في التقدير في هذه الأصناف وجدنا أبا حنيفة ومحمداً اقتصروا عليها كأداة وحيدة للتقدير في هذه الأصناف، ولم يعتبروا غيرها؛ لقوّة العرف في ذلك.
ويدل على صحة هذا الفهم الخلاف في المسألة مع أبي يوسف، فلو كانت النّصوص جازمة بأنّها مكيلة أو موزونة لما خالف أبو يوسف فيها، ولم يحصل من خلاف عند المذاهب الأخرى في علة الربا فيها، حيث لم يعتبروا الكيل والوزن، وإنما اعتبروا معاني أخرى الطعم والادخار، فكلّ هذا دلّ على أنها مسألة فهم واجتهاد، وليست مسألة نصّ جازم لا يجوز لنا تركه، كما يُفهم من كلام الشَّرّاح المنقول.
(¬2) فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد ... » في صحيح مسلم 3: 1211، وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال عمر - رضي الله عنه -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الربا» في الموطأ2: 634، ولما ما أوردنا سابقاً في الكيل يرد هنا.
والذَّهب والفضَّة موزونةً أبداً؛ للنَّصِّ على وزنهما (¬2)، فلا بُدّ من التَّساوي
¬__________
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «التمرُ بالتمر، والحنطةُ بالحنطة، والشعيرُ بالشعير، والملحُ بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فمَن زاد أو استزاد فقد أربى إلاّ ما اختلفت ألوانه» في صحيح مسلم3: 1211.
نلاحظ من لفظ هذا الحديث وغيره عدم التَّنصيص على عدم جواز بيعها مكايلة، وإنّما ورد النَّص بجواز بيعها متساوية، وهذه الأصناف الأربعة طريقة تقديرها في ذلك الزمان هي الكيل، فكان الكيلُ هو الوسيلة؛ لتحقيق المساواة التي طلبها الشَّارع، ولَمّا كانت هذه الطَّريقة هي الشَّائعة في ذلك الزَّمان، ولم يُعرف غيرها في التقدير في هذه الأصناف وجدنا أبا حنيفة ومحمداً اقتصروا عليها كأداة وحيدة للتقدير في هذه الأصناف، ولم يعتبروا غيرها؛ لقوّة العرف في ذلك.
ويدل على صحة هذا الفهم الخلاف في المسألة مع أبي يوسف، فلو كانت النّصوص جازمة بأنّها مكيلة أو موزونة لما خالف أبو يوسف فيها، ولم يحصل من خلاف عند المذاهب الأخرى في علة الربا فيها، حيث لم يعتبروا الكيل والوزن، وإنما اعتبروا معاني أخرى الطعم والادخار، فكلّ هذا دلّ على أنها مسألة فهم واجتهاد، وليست مسألة نصّ جازم لا يجوز لنا تركه، كما يُفهم من كلام الشَّرّاح المنقول.
(¬2) فعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد ... » في صحيح مسلم 3: 1211، وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» في صحيح البخاري 2: 761، وصحيح مسلم 3: 1208، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال عمر - رضي الله عنه -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الربا» في الموطأ2: 634، ولما ما أوردنا سابقاً في الكيل يرد هنا.