أيقونة إسلامية

فقه الترجيح المذهبي

صلاح أبو الحاج
فقه الترجيح المذهبي - صلاح أبو الحاج

البابُ الأول إذا خالف العرف الدَّليل الشَّرعي

قال في «منح الغَفّار» (¬1): «فإن قلت: إذا لم يُفْسِد الشَّرطُ المتعارف العقد يلزم أن يكون العرفُ قاضياً على الحديث.
قلت: ليس بقاضٍ عليه بل على القياس؛ لأنّ الحديثَ معلولٌ بوقوعِ النِّزاع المخرج للعقد عن المقصودِ به، وهو قطعُ المنازعة، والعُرْفُ ينفي النِّزاع، فكان موافقاً لمعنى الحديث ولم يبق من الموانع إلاّ القياس، والعرفُ قاضٍ عليه (¬2)»، انتهى.
¬__________
(¬1) وهو محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، وهو من تلامذة صاحب «البحر الرَّائق»، قال محب الدين: كان إماماً كبيراً حسن السمت قوي الحافظة كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: «تنوير الأبصار»، وشرحه سمَّاه «منح الغفار»، و «الوصول إلى قواعد الأصول»، و «إعانة الحقير شرح زاد الفقير»، (ت1004هـ). ينظر: خلاصة الأثر4: 18 - 20، وطرب الأماثل562 - 563، دفع الغواية ص11.
(¬2) هذا كلام من التُّمُرتاشيّ في غاية الدقة، ويؤكد ما سبق طرحه في بداية مناقشة هذا البحث في أنّ الأحاديث تكون معللة بعلّة معيّنة، والعرفُ يُبين لنا عدم وجود محلّ لهذه العلّة، فلم يكن العرف قاضياً ومقدَّماً على النصّ الشرعي أبداً، وإنّما يكون العرف موضحاً لمحل علّة النصّ الشرعي، بحيث إن لم تتوفر العلة لم يوجد الحكم.
وهذا ما بيَّنه التُّمُرتاشيُّ إذ أنّ حديث: «البيع والشَّرط» معللٌ بوجود النِّزع والرّبا كما سبق، فلمّا تبيّن من خلال العرف عدم وجودهما، جاز العقد مع الشَّرط، ولم يبق يمنع من ذلك إلا القياس، وهو عدم التركيب بين العقود مرّة واحدةً، وهذا القياس منع من ذلك خشية النِّزاع والربا، فإن تعارف الناس ذلك، لم يبق حاجة للتمسك بهذا القياس؛ لأن العقود المركبة تصبح بمنزلة عقدٍ واحدٍ إن تعارفها الناس، ويكون عرفهم هو الحكم إن حصل نزاع في هذه الصورة لتعارفها، كما يكون عرفهم هو الحكم لو حصل نزاع في العقد الواحد كما هي صورة القياس، فلذلك جعلنا العرف حاكماً على القياس، بمعنى أننا نترك القياس إلى الاستحسان إن تعارفه النّاس، وكان فيه مصلحةً عامةً، ولم يعد يتنازعوا فيه، فيصبح هو المعتبر في العمل.
المجلد
العرض
82%
تسللي / 553