اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

الإمام النووي
الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية - المؤلف
والأصل في اعتبار قول أهل الخبرة فيما يخفى على غيرهم حديثُ عائشة ﵂ في شأن زيد بن حارثة وابنه أسامة (١) ﵄، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وهو مسرورٌ تبرق أسارير وجهه، فقال: أي عائشة، ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدًا وعليهم قطيفة، وقد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢).
فالحديث يدلُّ على اعتبار رسول الله ﷺ قولَ القائف، وبناء الأحكام عليه في المسائل التي تدخل فيها القيافة؛ لسروره ﷺ بما قاله القائف، وإقراره على ذلك، وهو اعتبارٌ لقول أهل الخبرة فيما يختصُّون بمعرفته، ويتوقف بيان حكمه الشرعي على العلم به من جهتهم (٣).
وقد اعتنى الفقهاء بتقرير هذا الأصل، واعتمدوا عليه في مسائل لا تُعَدُّ كثرةً، وهي منتشرةٌ في كافَّة أبواب الفقه، بل اعتبروا الخبرة شرطًا في الحُكْم على تلك الوقائع والجزئيات.
قال ابن قدامة: " الخبرة بما يُحُكْم به شرطٌ في سائر الأحكام " (٤).
وكلُّ ما انفرد أهل الخبرة فيه بالعلم به وجب على الفقهاء الرجوع إليهم فيه والاعتبار بقولهم، ثم ترتيب الحُكْم الشرعي على ما تقرَّر عندهم فيه؛ ولا يؤخذ العلم بحقيقة الشيء من غير أهل الخبرة فيه، وإن كان من أعلم الناس بالحلال والحرام.
قال ابن تيمية: " .. وكون المبيع معلومًا أو غير معلومٍ لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنَّما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها .... فإذا قال أهل الخبرة: إنهم
_________
(١) هو: أسامة بن زيد بن حارثة الكناني، صحابي جليل، نشأ على الإسلام، وكان رسول الله ﷺ يحبه حبًا جمًا، أمَّره النبي ﷺ على الجيش قبل أن يبلغ العشرين من عمره، توفى بالجرف في آخر خلافة معاوية ﵁ سنة (٥٤ هـ).
ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد (٤/ ٦١)، الإصابة (١/ ٢٠٢)، الأعلام للزركلي (١/ ٢٩١)
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه "، كتاب الفرائض، باب القائف، برقم (٦٧٧١)، وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد، رقم (١٤٥٩).
(٣) ينظر: الذخيرة للقرافي (١٠/ ٢٤١ - ٢٤٥)، المغني لابن قدامة (٨/ ٣٧١ - ٣٧٤)، مغني المحتاج للشربيني (٤/ ٦٤٦ - ٦٤٧) فتح الباري لابن حجر (١٢ - ٥٦ - ٥٧)، شرح صحيح مسلم للنووي (١٠/ ٤١).
(٤) المغني: (٥/ ٤٠٥).
330
المجلد
العرض
43%
الصفحة
330
(تسللي: 288)