اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

الإمام النووي
الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية - المؤلف
هذا حلالٌ وهذا حرامٌ بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز، ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحُكْم فهو بمنزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحًا، أو دلالةَ لفظٍ على معنىً لم يُرِده الرسول، وهذا اجتهادٌ يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولًا بحُجَّةٍ شرعيَّةٍ يجب على المسلم اتباعها (١).
٢ - إن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على عِلَّة الحُكْم إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعِلَّة إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا عِلَّة الأصل بالمناسبة أو الدوران فلا بد من السَّبر، فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول الحُكْم بهذا دون هذا، ومعلومٌ أن النصَّ والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب، والجماع، والحيض، والنبي ﷺ قد نهى المتوضِئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم، وهو قياسٌ ضعيف، وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفَمِه، ويغذِّي بدَنَه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء، فلو لم يَرِد النصُّ بذلك لعُلِم بالعقل أن هذا من جنس الشرب، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مُفَطِرًا ولا جزءًا من المُفَطِر؛ لعدم تأثيره، بل هو طريقٌ إلى الفِطر، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة؛ فإن الكحل لا يغذِّي ألبتة، ولا يُدخِل أحدٌ كحلًا إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه،كذلك الحقنة لا تغذِّي بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شمَّ شيئًا من المُسَهِلات، أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة، والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه. . . فالصائم نُهِيَ عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوي، فترك الأكل والشرب الذي يولِّد الدم الكثير
_________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: (٢٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
526
المجلد
العرض
71%
الصفحة
526
(تسللي: 474)