منتهى النقاية على شرح الوقاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الإكراه
26
فإن أُكْرِهَ على أكلِ ميتة، أو دَم، أو لحمِ خِنْزير، أو شُربِ خمر بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ لم يحلّ، وبقتلٍ أو قطع حلَّ، فإن صَبَرَ فقتلَ أَثِمَ كما في المَخْمَصة. وعلى الكفرِ بقتل، أو قطع، رُخِصَ له أن يظهرَ ما أُمِرَ به، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان، وبالصَّبر أجر، ولم يُرَخَّصْ بغيرهما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بعدَه لا ما قبلَه، فإنَّ المشتري أعمُّ من أن يكونَ مشترياً أوَّلاً، أو أو مشترياً ثانياً، أو ثالثاً لو تناسخت العقود، فإنَّه إن ضَمَّنَ المشتري الثَّاني القيمةَ يصيرُ ملكاً له، فينفذُ كلَّ شراءٍ بعد ذلك الشِّراء، ولا ينفذُ الشِّراء الذي قبلَه، فيرجعُ المشتريُ الضَّامنُ بالثَّمنِ على بائعِه، ثُمَّ هذا البائعُ بالثَّمنِ على بائعِه، وهذا بخلافِ ما إذا أجازَ المالك أحدَ العقودِ حيث ينفدُ الجميع؛ لأنَّهُ أسقط حقَّه، وهو المانع، فعادَ الكلُّ إلى الجواز، وفي الضَّمان يَثْبُتُ الملكُ المستند، ويستندُ إلى حينِ العقدِ لا قَبْلَه (1).
(فإن أُكْرِهَ على أكلِ ميتة، أو دَم، أو لحمِ خِنْزير، أو شُربِ خمر بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ لم يحلّ، وبقتلٍ أو قطع حلَّ)؛ لأن هذه الأشياءَ مستثناةٌ عن الحرمةِ في حالِ الضَّرورة، والاستثناءُ عن الحرمةِ حلّ، ولا ضرورةَ في إكراهِ غيرِ مُلْجِئ.
(فإن صَبَرَ فقتلَ أَثِمَ كما في المَخْمَصة (2).
وعلى الكفرِ بقتل، أو قطع، رُخِصَ له أن يظهرَ ما أُمِرَ به، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان وبالصَّبر أجر، ولم يُرَخَّصْ بغيرهما): أي بغيرِ القتل، والقطع، رُوِي أن خبيباً (3) ? وعمَّاراً ? ابتليا بذلك فصبرَ خبيبٌ حتَّى صُلِب، فسمَّاه النَّبيُّ ?: «سيِّدَ الشُّهداء» (4)
__________
(1) الفرق بين الإجازة والتضمن: أنه إذا ضمَّن فأخذ القيمة صار كأنه استردّ العين فتبطل البياعات التي قبله بخلاف أخذ الثمن؛ لأنه ليس كأخذ العين بل إجازة فافترقا. ينظر: «الشرنبلالية» (2: 272).
(2) المَخْمَصة: المجاعة. ينظر: «مختار الصحاح» (ص 190).
(3) وهو خبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جحجبي بن عوف بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس الأنصاري، شهد أحداً مع النبي ?، وستأتي قصة استشهاده بعد قليل. ينظر: «الاستيعاب» (2: 440)، «الإصابة» (2: 262)، «صفوة الصفوة» (ص 619).
(4) قال الزيلعي في «نصب الراية» (4: 159)، وابن حجر في «الدراية» (2: 197): لم نقف على لفظ «سيد الشهداء» في قصة خبيب ?، وقصة خبيب ? في «صحيح البخاري» (4: 1465)، وهي: عن أبي هريرة ? قال بعث رسولُ الله ? عشرةً عيناً وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مئة رجلٍ رامٍ فاقتصّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في مَنْزلٍ نزلوه، فقالوا: تمرُ يثرب فاتبعوا آثارهم، فلَمَّا أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا: لهم انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً، فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، ثمّ قال: اللّهمّ أخبر عنّا نبيك ?، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم: خبيب، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، فلَمَّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى، فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فأنطلق بخبيب وزيد ابن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً، وكان خبيباً هو قاتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدّ بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنّه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلَمَّا خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ قال لهم: خبيب دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بي جزعٌ لزدت ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:
على أي جنب كان لله مصرعيـــــــــــــــــــــــــــــ
فلست أبالي حين أقتل مسلماًـــــــــــــــــــــــــــــ
يبارك على أوصال شلو ممزعـــــــــــــــــــــــــــــ
وذلك في ذات الإله وإن يشأـــــــــــــــــــــــــــــ
ثمّ قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتلَه، وكان خبيب هو سنّ لكلِّ مسلمٍ قتل صبراً الصلاةَ، وأخبرَ يعني النبي ? أصحابه يوم أصيبوا خبرهم.
فإن أُكْرِهَ على أكلِ ميتة، أو دَم، أو لحمِ خِنْزير، أو شُربِ خمر بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ لم يحلّ، وبقتلٍ أو قطع حلَّ، فإن صَبَرَ فقتلَ أَثِمَ كما في المَخْمَصة. وعلى الكفرِ بقتل، أو قطع، رُخِصَ له أن يظهرَ ما أُمِرَ به، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان، وبالصَّبر أجر، ولم يُرَخَّصْ بغيرهما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بعدَه لا ما قبلَه، فإنَّ المشتري أعمُّ من أن يكونَ مشترياً أوَّلاً، أو أو مشترياً ثانياً، أو ثالثاً لو تناسخت العقود، فإنَّه إن ضَمَّنَ المشتري الثَّاني القيمةَ يصيرُ ملكاً له، فينفذُ كلَّ شراءٍ بعد ذلك الشِّراء، ولا ينفذُ الشِّراء الذي قبلَه، فيرجعُ المشتريُ الضَّامنُ بالثَّمنِ على بائعِه، ثُمَّ هذا البائعُ بالثَّمنِ على بائعِه، وهذا بخلافِ ما إذا أجازَ المالك أحدَ العقودِ حيث ينفدُ الجميع؛ لأنَّهُ أسقط حقَّه، وهو المانع، فعادَ الكلُّ إلى الجواز، وفي الضَّمان يَثْبُتُ الملكُ المستند، ويستندُ إلى حينِ العقدِ لا قَبْلَه (1).
(فإن أُكْرِهَ على أكلِ ميتة، أو دَم، أو لحمِ خِنْزير، أو شُربِ خمر بحبس، أو ضرب، أو قيدٍ لم يحلّ، وبقتلٍ أو قطع حلَّ)؛ لأن هذه الأشياءَ مستثناةٌ عن الحرمةِ في حالِ الضَّرورة، والاستثناءُ عن الحرمةِ حلّ، ولا ضرورةَ في إكراهِ غيرِ مُلْجِئ.
(فإن صَبَرَ فقتلَ أَثِمَ كما في المَخْمَصة (2).
وعلى الكفرِ بقتل، أو قطع، رُخِصَ له أن يظهرَ ما أُمِرَ به، وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان وبالصَّبر أجر، ولم يُرَخَّصْ بغيرهما): أي بغيرِ القتل، والقطع، رُوِي أن خبيباً (3) ? وعمَّاراً ? ابتليا بذلك فصبرَ خبيبٌ حتَّى صُلِب، فسمَّاه النَّبيُّ ?: «سيِّدَ الشُّهداء» (4)
__________
(1) الفرق بين الإجازة والتضمن: أنه إذا ضمَّن فأخذ القيمة صار كأنه استردّ العين فتبطل البياعات التي قبله بخلاف أخذ الثمن؛ لأنه ليس كأخذ العين بل إجازة فافترقا. ينظر: «الشرنبلالية» (2: 272).
(2) المَخْمَصة: المجاعة. ينظر: «مختار الصحاح» (ص 190).
(3) وهو خبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جحجبي بن عوف بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس الأنصاري، شهد أحداً مع النبي ?، وستأتي قصة استشهاده بعد قليل. ينظر: «الاستيعاب» (2: 440)، «الإصابة» (2: 262)، «صفوة الصفوة» (ص 619).
(4) قال الزيلعي في «نصب الراية» (4: 159)، وابن حجر في «الدراية» (2: 197): لم نقف على لفظ «سيد الشهداء» في قصة خبيب ?، وقصة خبيب ? في «صحيح البخاري» (4: 1465)، وهي: عن أبي هريرة ? قال بعث رسولُ الله ? عشرةً عيناً وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مئة رجلٍ رامٍ فاقتصّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في مَنْزلٍ نزلوه، فقالوا: تمرُ يثرب فاتبعوا آثارهم، فلَمَّا أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا: لهم انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً، فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، ثمّ قال: اللّهمّ أخبر عنّا نبيك ?، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم: خبيب، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، فلَمَّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى، فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فأنطلق بخبيب وزيد ابن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيباً، وكان خبيباً هو قاتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدّ بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده، وإنّه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلَمَّا خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ قال لهم: خبيب دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بي جزعٌ لزدت ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم أنشأ يقول:
على أي جنب كان لله مصرعيـــــــــــــــــــــــــــــ
فلست أبالي حين أقتل مسلماًـــــــــــــــــــــــــــــ
يبارك على أوصال شلو ممزعـــــــــــــــــــــــــــــ
وذلك في ذات الإله وإن يشأـــــــــــــــــــــــــــــ
ثمّ قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتلَه، وكان خبيب هو سنّ لكلِّ مسلمٍ قتل صبراً الصلاةَ، وأخبرَ يعني النبي ? أصحابه يوم أصيبوا خبرهم.