اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

الإمام النووي
فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري - المؤلف
الحديث الثامن والأربعون
٤٨ - عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يَتّكئُ في حجري، فيقرأ القرآن وأنا حائضٌ. (١)

قوله: (فيقرأ القرآن) وللبخاري " كان يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض " فعلى هذا. فالمراد بالاتّكاء وضع رأسه في حجرها.
قال ابن دقيق العيد: في هذا الفعل إشارة إلى أنّ الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأنّ قراءتها لو كانت جائزة لَمَا توهّم امتناع القراءة في حجرها حتّى احتيج إلى التّنصيص عليها. (٢)
_________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٣، ٧١١٠) ومسلم (٣٠١) من طريق منصور بن صفية عن أمِّه عن عائشة به.
(٢) قال البخاري في كتاب الحيض: باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية، ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا، وكان النبي - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه " وقالت أم عطية: كنا نؤمر أن يخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم ويدعون. وقال ابن عباس، أخبرني أبو سفيان، أنَّ هرقل دعا بكتاب النبي - ﷺ -، فقرأ فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ و﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾ [آل عمران: ٦٤] " الآية، وقال عطاء: عن جابر: حاضت عائشة فنسكتِ المناسك غير الطواف بالبيت ولا تُصلي وقال الحكَم: إني لأذبح وأنا جنب، وقال الله ﷿: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] انتهى
قال ابن حجر في " الفتح ": قيل مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار أنَّ الحيض وما في معناه من الجنابة لا ينافي جميع العبادات بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وغيرها. فمناسك الحج من جملة ما لا ينافيها إلاَّ الطواف فقط.
وفي كون هذا مراده نظرٌ، لأنَّ كون مناسك الحج كذلك حاصل بالنصِّ فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه.
والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعًا لابن بطال وغيره: إنَّ مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة، لأنه - ﷺ - لم يستثن من جميع مناسك الحج إلاَّ الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة. وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك فكذلك الجنب، لأنَّ حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إنْ كان لكونه ذكرًا لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبدًا فيحتاج إلى دليلٍ خاصٍ.
ولم يصحّ عند البخاري شيءٌ من الأحاديث الواردة في ذلك - وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره - لكن أكثرها قابل للتأويل كما سنشير إليه.
ولهذا تمسَّك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث (كان يذكر الله على كل أحيانه) لأنَّ الذكر أعمُّ من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرَّق بين الذكر والتلاوة بالعرف. والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة.
وأورد البخاري أثر إبراهيم - وهو النخعي - إشعارًا بأنَّ منع الحائض من القراءة ليس مجمعًا عليه. وقد وصله الدارمي وغيره بلفظ " أربعة لا يقرؤون القرآن الجنب والحائض وعند الخلاء وفي الحمام إلاَّ الآية ونحوها للجنب والحائض. وروي عن مالك نحو قول إبراهيم، وروي عنه الجواز مطلقًا، وروي عنه الجواز للحائض دون الجنب. وقد قيل إنه قول الشافعي في القديم.
ثم أورد أثر ابن عباس. وقد وصله ابن المنذر بلفظ " إن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب "
وأما حديث أم عطية فوجه الدلالة منه ما تقدَّم من أنه لا فرق بين التلاوة وغيرها.
ثم أورد البخاري طرفًا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وهو موصول عنده في " بدء الوحي " وغيره. ووجه الدلالة منه، أنَّ النبي - ﷺ - كتب إلى الروم وهم كُفَّار، والكافر جنبٌ، كأنه يقول إذا جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملًا على آيتين فكذلك يجوز له قراءته. كذا قاله ابن رشيد.
وتوجيه الدلالة منه إنما هي من حيث إنه إنما كتب إليهم ليقرءوه فاستلزم جواز القراءة بالنصِّ لا بالاستنباط.
وقد أجاب ممن منع ذلك - وهم الجمهور - بأنَّ الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو في التفسير فإنه لا يُمنع قراءته ولا مسُّه عند الجمهور، لأنه لا يقصد منه التلاوة. ونصَّ أحمد أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ. وقال به كثيرٌ من الشافعية.
ومنهم من خص الجواز بالقليل كالآية والآيتين.
قال الثوري: لا بأس أن يعلِّم الرجل النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهديه، وأكره أن يعلّمه الآية هو كالجنب.
وعن أحمد أكره أن يضع القرآن في غير موضعه. وعنه إن رجى منه الهداية جاز وإلاَّ فلا.
وقال بعض من منع: لا دلالة في القصة على جواز تلاوة الجنب القرآن، لأنَّ الجنب إنما منع التلاوة إذا قصدها وعرف أنَّ الذي يقرأه قرآن. أمَّا لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أنه من القرآن فإنه لا يمنع وكذلك الكافر.
وأما أثر الحكَم - وهو الفقيه الكوفي - فوصله البغوي في " الجعديات " من روايته عن علي بن الجعد عن شعبة عنه. ووجه الدلالة منه أنَّ الذبح مستلزم لذكر الله بحكم الآية التي ساقها.
وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، ولكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه.
واستدل الجمهور على المنع بحديث علي: كان رسول الله - ﷺ - لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة. رواه أصحاب السنن. وصحَّحه الترمذي وابن حبان. وضعَّف بعضُهم بعضَ رواته.
والحقُّ أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة.
لكن قيل في الاستدلال به نظرٌ، لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه.
وأجاب الطبري عنه: بأنه محمول على الأكمل جمعًا بين الادله.
وأما حديث ابن عمر مرفوعًا: لا تقرأ الحائضُ ولا الجنبُ شيئًا من القرآن. فضعيفٌ من جميع طرقه. انتهى كلامه
382
المجلد
العرض
55%
الصفحة
382
(تسللي: 382)