أيقونة إسلامية

مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية

صلاح أبو الحاج
مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية - صلاح أبو الحاج

المبحث التَّمهيدي: شمول مفهم السُّنَّة لتصرُّفات الصَّحابة - رضي الله عنهم -:

لعلى خلق عظيم} القلم: 4» (¬1)، فأفعال الصَّحابة - رضي الله عنهم - هي التَّفسير والبيان لسُّنَّة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا ما كان يأمر به الفاروق - رضي الله عنه - الصَّحابةَ والتَّابعين، فيقول وهو على المنبر: «أُحَرِّج بالله على رجلٍ رَوَى حديثاً العملُ على خلافه» (¬2).
وهو الظَّاهرُ من عملِ مجتهدي الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فإنَّهم كانوا يُميِّزون ما يؤخذ به ممَّا وَرَدَ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وما يُترك، وفي هذا يقول ابن أبي حازم: «كان أبو الدَّرداء - رضي الله عنه - يُسأل فيجيب، فيُقال: إنَّه بلغنا كذا وكذا ـ بخلاف ما قال ـ فيقول: وأنا قد سمعته، ولكنَّي أدركت العمل على غير ذلك» (¬3).
وهذا التَّمييزُ من كبارِ الصَّحابة - رضي الله عنهم -؛ لمعرفتهم النَّاسخ من المنسوخ، فيتَّبعون آخر ما استقرَّ عليه أَمرُ الشَّرع، ويوضح ذلك الحافظ المشهور ابن شهاب الزُّهريّ بقوله: «كان الصَّحابةُ - رضي الله عنهم - يتَّبعون الأحدثَ فالأَحدث من أَمره - صلى الله عليه وسلم - ويَرَوْنَ النَّاسخَ المحكم» (¬4)، ومثلُه رُوِي عن ابنِ عَبَّاس - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صام عام الفتح حتى بلغ الكديد، ثُمَّ أفطر وأفطر أصحابه، فهم يَتَّبعون الأحدثَ فالأحدثَ من أمرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّ ذلك هو النَّاسخ المحكم» (¬5).
¬__________
(¬1) مسند أحمد 6: 91، وصححه الأرنؤوط، والأدب المفرد ص115.
(¬2) ينظر: أثر الحديث الشريف ص64.
(¬3) ينظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك 1: 11.
(¬4) صحيح مسلم 2: 785.
(¬5) المعجم الأوسط 1: 175، واللفظ له، ومصنف ابن أبي شيبة 20: 488.
المجلد
العرض
31%
تسللي / 626