مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية - صلاح أبو الحاج
المبحث الثَّاني تاريخ علم الأصول وتطوّره وأهم المؤلفات فيه وطرق التأليف
وأفتوا، ورووا، وعلموا، وكان صنيعهم في هذه الطَّبقة متشابهاً، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمرسل جميعاً، ويستدل بأقوال الصَّحابة والتَّابعين علماً منهم أنَّها إما أحاديث منقولة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوها موقوفة».
فصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحوا البلاد شرقاً وغرباً وحلوا فيها معلمين لأهلها ما ورثوه عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وصارت الأمصار الرئيسية يدور فقهها على فقه من سَكنها من كبار مجتهدي الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فالكوفة حلَّ فيها ابن مسعود - رضي الله عنه - يُعَلِّمَ أهلها، وتلقى على يديه كبار التَّابعين فيها مثل علقمة، وهكذا الحال في مكة والبصرة والشَّام والمدينة وغيرها.
وما يهمنا هنا من ذلك أنَّ هذه المدن صُبِغَت فقهاً وأصولاً بفقه مَن حلَّ فيها من الصَّحابة - رضي الله عنهم - ومَن تلقى على يديهم من التَّابعين، فتميز فقه كل مِصر؛ لتميز أصوله التي بُني عليها فقهه كما هو معلوم، فلاحظنا أنَّ أهل كل بلد يفتخرون بعلمائهم وعلمهم ولا يجاوزونه إلى غيره إلا نادراً، قال ولي الله الدِّهلوي (¬1): «إذا اختلفت مذاهب الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - في مسألة، فالمختار عند كلّ عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنَّه أعرف بصحيح أقاويله من السَّقيم، وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أَميلُ إلى فضلهم وتبحرهم»، فمثلاً أهلُ المدينة اعتمدوا من أُصولهم إجماع أَهل المدينة، وهو ما توارثه علماء المدينة جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقدَّموه على حديث الآحاد، فعن فقيه المدينة ربيعة الرَّأي: «ألف عن ألف
¬__________
(¬1) في حجة الله البالغة 1: 269.
فصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحوا البلاد شرقاً وغرباً وحلوا فيها معلمين لأهلها ما ورثوه عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وصارت الأمصار الرئيسية يدور فقهها على فقه من سَكنها من كبار مجتهدي الصَّحابة - رضي الله عنهم -، فالكوفة حلَّ فيها ابن مسعود - رضي الله عنه - يُعَلِّمَ أهلها، وتلقى على يديه كبار التَّابعين فيها مثل علقمة، وهكذا الحال في مكة والبصرة والشَّام والمدينة وغيرها.
وما يهمنا هنا من ذلك أنَّ هذه المدن صُبِغَت فقهاً وأصولاً بفقه مَن حلَّ فيها من الصَّحابة - رضي الله عنهم - ومَن تلقى على يديهم من التَّابعين، فتميز فقه كل مِصر؛ لتميز أصوله التي بُني عليها فقهه كما هو معلوم، فلاحظنا أنَّ أهل كل بلد يفتخرون بعلمائهم وعلمهم ولا يجاوزونه إلى غيره إلا نادراً، قال ولي الله الدِّهلوي (¬1): «إذا اختلفت مذاهب الصَّحابة والتَّابعين - رضي الله عنهم - في مسألة، فالمختار عند كلّ عالم مذهب أهل بلده وشيوخه؛ لأنَّه أعرف بصحيح أقاويله من السَّقيم، وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أَميلُ إلى فضلهم وتبحرهم»، فمثلاً أهلُ المدينة اعتمدوا من أُصولهم إجماع أَهل المدينة، وهو ما توارثه علماء المدينة جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقدَّموه على حديث الآحاد، فعن فقيه المدينة ربيعة الرَّأي: «ألف عن ألف
¬__________
(¬1) في حجة الله البالغة 1: 269.