أيقونة إسلامية

مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية

صلاح أبو الحاج
مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية - صلاح أبو الحاج

المبحث الرَّابع حجية خبر الآحاد وأقسامه

ويعبر عن هذا بأن يكون فرع يتجاذبه أصلان، يأخذ الشّبه من كل واحد منهما، فيجب إلحاقه بأحدهما دون الآخر؛ لدلالة توجبه، فسمُّوا ذلك استحساناً، إذ لو لم يعرض شبه للوجه الثَّاني، لكان له شبه من الأصل الآخر، فيجب إلحاقه به (¬1).
وذلك بأن يكون في المسألة وصفان يقتضيان قياسيين متباينين: أحدهما ظاهر متبادر، وهو القياس الاصطلاحي، والآخر خفي يقتضي إلحاقها بأصل آخر، فيسمى استحساناً: أي أنَّ القضية التي ينظر في حكمها يرى الفقيه أن َّكليهما ينطبق عليها، ولكن أحدهما ظاهر يَعمل في نظائر هذه المسألة، والآخر خفي في هذه المسألة؛ إذ لا يعمل في نظائرها، ولكن يكون في المسألة ما يوجب عمل هذا الخفي الذي لم يطرد في نظائرها.
مثاله: مسألة سؤر سباع الطَّير ـ وهو بقية الماء الذي يشرب منه ـ فإنَّ سباع الطَّير تشبه سباع البهائم في كون لحمها غير مأكول، وكون لحمها نجساً، وبما أنَّ سؤر سباع البهائم نجس، فينبغي أن يكون سؤر سباع الطَّير: كالنِّسر والحدأة نجساً أيضاً، وهو موجب القياس، ولكنَّ الاستحسان يتجه لقياس آخر خفي، وهو أنَّ سؤر سباع البهائم كان نجساً؛ لوجود لعابها فيه، واللُّعاب متصلٌ باللحم، فهو نجسٌ بنجاسته، أمّا سباع الطَّير فهي تشرب بمناقيرها فلا تلقي لعابها في الماء، فلا يتنجس به، فلا يكون السُّؤر نجساً، وللاحتياط قالوا: إنَّه مكروه الاستعمال (¬2).
¬__________
(¬1) الفصول 4: 234. وينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص291.
(¬2) أبو حنيفة لأبي زهرة ص351 - 353.
المجلد
العرض
58%
تسللي / 626