مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية - صلاح أبو الحاج
المبحث الرَّابع حجية خبر الآحاد وأقسامه
سأله أحد كبار القضاة في عهد المتقي لله العباسي، عن سبب انتقاله من مذهب الشَّافعي إلى مذهب أهل الظَّاهر، جاوبه قائلاً: «إني قرأت إبطال الاستحسان للشَّافعي، فرأيته صحيحاً في معناه، إلا أنَّ جميع ما احتجّ به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصحّ به عندي بطلانه»، كأنَّه لم يُرد أن يبقى في مذهب يهدُّم بعضه بعضاً، فانتقل إلى مذهب يبطلهما معاً!!
لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت» (¬1).
¬__________
(¬1) قال شيخنا العلامة عبد الملك السَّعدي: «والاستحسان يراه الحنفية وبه قال مالك - رضي الله عنهم -، وأما قول الشَّافعي - رضي الله عنه -: «مَن استحسن فقد شرَّع»، فالمرادُ به الاستحسان الذي لم يعتمد على دليل شرعي آخر، بل ما استحسنته العقول وهو موضع إنكار من الجميع، والشَّافعي - رضي الله عنه - تلفظ بالاستحسان في أمور منها: أنه قال: «استحسن في المتعة أن تقدر بثلاثين درهماً»، وقال: «رأيت بعض الحكام يحلف على المصحف وذلك حسن»، وقال في مدة الشُّفعة: «واستحسن ثلاثة أيام»، وقال: «استحسن أن يترك السيد شيئاً من نجوم الكتابة».
يقول السَّمعاني: «إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل لا أحد يقول به».
وإذا أمعنا النظر في استدلال القائلين به والمنكرين له، فإنا لا نجد خلافاً بين الطرفين، فالكلُّ يقولون بمشروعيته: أي حكم ثبت استحساناً إلا أنَّ الخلاف في إطلاق الاسم على ذلك، وإن ما استدل به المنكرون يقول به المثبتون بأن كل استحسان ليس مبنياً على دليل، بل منطلق من الهوى والتَّشهي فهو مرفوض». ينظر: المدخل في الفقه وأصوله ص71 - 72.
لكن القياس والاستحسان كلاهما بخير، لم يبطل واحد منهما بالمعنى الذي يريده القائلون بهما، بل الخلاف بين أهل القياس في الاستحسان، لفظي بحت» (¬1).
¬__________
(¬1) قال شيخنا العلامة عبد الملك السَّعدي: «والاستحسان يراه الحنفية وبه قال مالك - رضي الله عنهم -، وأما قول الشَّافعي - رضي الله عنه -: «مَن استحسن فقد شرَّع»، فالمرادُ به الاستحسان الذي لم يعتمد على دليل شرعي آخر، بل ما استحسنته العقول وهو موضع إنكار من الجميع، والشَّافعي - رضي الله عنه - تلفظ بالاستحسان في أمور منها: أنه قال: «استحسن في المتعة أن تقدر بثلاثين درهماً»، وقال: «رأيت بعض الحكام يحلف على المصحف وذلك حسن»، وقال في مدة الشُّفعة: «واستحسن ثلاثة أيام»، وقال: «استحسن أن يترك السيد شيئاً من نجوم الكتابة».
يقول السَّمعاني: «إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل لا أحد يقول به».
وإذا أمعنا النظر في استدلال القائلين به والمنكرين له، فإنا لا نجد خلافاً بين الطرفين، فالكلُّ يقولون بمشروعيته: أي حكم ثبت استحساناً إلا أنَّ الخلاف في إطلاق الاسم على ذلك، وإن ما استدل به المنكرون يقول به المثبتون بأن كل استحسان ليس مبنياً على دليل، بل منطلق من الهوى والتَّشهي فهو مرفوض». ينظر: المدخل في الفقه وأصوله ص71 - 72.