مسار الوصول إلى علم أصول الفقه عند الحنفية - صلاح أبو الحاج
المبحث الرَّابع حجية خبر الآحاد وأقسامه
وبما سبق بيانه يتضح أنَّ الاستحسان هو العمل بالدَّليل الأقوى والأحرى بالمسألة، ولا شأن له بالاستحسان العقلي المجرد كما يتوهمه بعضهم، وبهذه الصُّورة فهو محل اتفاق بين أصحاب المذاهب المعتبرة، وإن اختلفت تعبيراتهم في ذكر مسائله، ومن المعلوم أنَّه لا مشاحة في الاصطلاح، وفي ذلك يقول الكوثري (¬1): «ظنَّ أناسٌ ممن لم يمارس العلم، ولم يؤت الفهم، أنَّ الاستحسان عند الحنفية هو الحكم بما يشتهيه الإنسان، ويهواه ويلذه، حتى فسّره ابن حزم في «أحكامه» بأنّه ما اشتهته النفس ووافقتها، خطأً أو صواباً!!
لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق في تقريعهم والردّ عليهم، إلا أنَّ المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، فوجَّهوا سهاماً إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقّة مدرك هذا البحث في حدّ ذاته.
وليس بين القائلين بالقياس مَن لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، وإبطال الاستحسان ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشَّافعي، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.
ومن الحكايات الطَّريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنَّه لما
¬__________
(¬1) في مقدمة نصب الرَّاية ص291 - 292.
لكن لا يقول بمثل هذا الاستحسان فقيه من الفقهاء، فلو كان هذا مراد الحنفية بالاستحسان، لكان للمخالفين ملء الحق في تقريعهم والردّ عليهم، إلا أنَّ المخالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، فوجَّهوا سهاماً إليهم، ترتد إلى أنفسهم، وذلك لتقاصر أفهامهم عن إدراك مرامهم، ودقّة مدرك هذا البحث في حدّ ذاته.
وليس بين القائلين بالقياس مَن لا يستحسن بالمعنى الذي يريده الحنفية، وهذا الموضع لا يتسع لذكر نماذج من مذاهب الفقهاء، في الأخذ بالاستحسان، وإبطال الاستحسان ما هو إلا سبق قلم من الإمام الشَّافعي، فلو صحت حججه في إبطال الاستحسان، لقضت على القياس الذي هو مذهبه، قبل أن يقضي على الاستحسان.
ومن الحكايات الطَّريفة في هذا الباب، ما يروى عن إبراهيم بن جابر، أنَّه لما
¬__________
(¬1) في مقدمة نصب الرَّاية ص291 - 292.