الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب - محمد بن عبد الحق اليفرني (٦٢٥ هـ)
ولم يستحسن واحد منهم الزمانة في الأجسام، بل استعاذوا بالله منها، وكأن قائل هذا القول صدر منه من غير تأمل، وغره قول أهل اللغة: إن الفقير: المكسور الفقار؛ وإنما أرادوا تشبيهه بمن انكسر فقاره، ولم يريدوا أنه مكسور على الحقيقة. وما روي عن مجاهد والزهري من أن الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل، غلط أيضًا، يبطله ما تقدم؛ فلا وجه لاعتباره: الصحة والزمانة، والسؤال وغير السؤال في الفرق بينهما، وإنما ينبغي أن يعتبر أيهما أحسن أو أسوأ حالًا، وهو أمر تنازع فيه الناس، فقال قوم: الفقير أحسن حالًا من المسكين، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أكثر المالكية، وممن ذهب إليه يونس بن حبيب، ويعقوب، وابن قتيبة، قالوا: الفقير: الذي له البلغة من العيش، واحتجوا ببيت الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل له حلوبة، وجعلها وفقًا لعياله، أي: قوتًا لا فضل فيه، واحتجوا على أن المسكين الذي لا شيء له بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: قد لصق بالتراب، واحتجوا بأنه مشتق من السكون، وأنه بني على زنة "مفعيل" للمبالغة، أرادوا أنه قد حل محل الميت الذي لا حراك له.
واحتج يونس بأن قال: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل له حلوبة، وجعلها وفقًا لعياله، أي: قوتًا لا فضل فيه، واحتجوا على أن المسكين الذي لا شيء له بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: قد لصق بالتراب، واحتجوا بأنه مشتق من السكون، وأنه بني على زنة "مفعيل" للمبالغة، أرادوا أنه قد حل محل الميت الذي لا حراك له.
واحتج يونس بأن قال: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل
305