المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي
[٤٣٤]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ عِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ جَعَلَ يَفتِكُ عَلَيَّ البَارِحَةَ لِيَقطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمكَنَنِي مِنهُ،
ــ
مِن بَعدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ ولما تحقق النبي - ﷺ - الخصوصية، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه. فإن قيل: كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية؟ قلنا: كما تَأَتَى ذلك لسليمان - ﵇ -؛ حيث جعل الله له منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصفَادِ﴾ ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا، أو شاء الله، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وقال - ﷺ -: . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني (١)، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا - ﷺ - من هذا الجنِّي، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها، فيوثقه كما كان سليمان - ﵇ - يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان. ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة، فيربطه ويُلعب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل الله ما همّ به النبي - ﷺ -. وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِن حَيثُ لا تَرَونَهُم﴾؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، والله تعالى أعلم.
وقوله: إن عفريتًا جعل يفتك عليّ البارحة؛ العفريت: المارد من الجن الشديد، ومنه: رجل عِفرِيت؛ أي: شديد الدَّهاء والمكر والحيلة. هكذا صحّ في كتاب مسلم: يَفتِك؛ ومعناه: يغفله عن الصلاة ويشغله. وأصل الفَتك: القتل على غفلة وغِرَّة، ومنه: قوله - ﷺ -: الإيمان قَيَّد الفَتك (٢). وهكذا مجيء الشيطان
_________
(١) رواه البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه أحمد (١/ ١٦٦ و١٦٧) من حديث الزبير، و(٤/ ٩٢) من حديث معاوية. ورواه أبو داود (٢٧٦٩) من حديث أبي هريرة.
ــ
مِن بَعدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ ولما تحقق النبي - ﷺ - الخصوصية، امتنع من تعاطي ما هَمَّ به من أخذ الجني وربطه. فإن قيل: كيف يتأَتَى ربطه وأخذه واللعب به، مع كون الجن أجسامًا لطيفة روحانية؟ قلنا: كما تَأَتَى ذلك لسليمان - ﵇ -؛ حيث جعل الله له منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصفَادِ﴾ ولا شك أن الله تعالى أوجدهم على صورٍ تَخُصُّهم، ثم مكّنهم من التشكل في صور مختلفة، فيتمثلون في أي صورة شاؤوا، أو شاء الله، وكذلك فعل الله بالملائكة كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وقال - ﷺ -: . وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني (١)، فيجوز أن يُمَكِّن الله نبيه محمدًا - ﷺ - من هذا الجنِّي، مع بقاء الجنِّي على صورته التي خُلق عليها، فيوثقه كما كان سليمان - ﵇ - يوثقهم، ويرفع الموانع عن أبصار الناس، فيرونه موثقًا حتى يلعب به الغلمان. ويجوز أن يشكِّله الله تعالى في صورة جسميِّةٍ محسوسة، فيربطه ويُلعب به، ثم يمنعه من الزوال عن تلك الصورة التي تشكّل فيها، حتى يفعل الله ما همّ به النبي - ﷺ -. وفي هذا دليل على رؤية بني آدم الجن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُم هُوَ وَقَبِيلُهُ مِن حَيثُ لا تَرَونَهُم﴾؛ إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم، والله تعالى أعلم.
وقوله: إن عفريتًا جعل يفتك عليّ البارحة؛ العفريت: المارد من الجن الشديد، ومنه: رجل عِفرِيت؛ أي: شديد الدَّهاء والمكر والحيلة. هكذا صحّ في كتاب مسلم: يَفتِك؛ ومعناه: يغفله عن الصلاة ويشغله. وأصل الفَتك: القتل على غفلة وغِرَّة، ومنه: قوله - ﷺ -: الإيمان قَيَّد الفَتك (٢). وهكذا مجيء الشيطان
_________
(١) رواه البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه أحمد (١/ ١٦٦ و١٦٧) من حديث الزبير، و(٤/ ٩٢) من حديث معاوية. ورواه أبو داود (٢٧٦٩) من حديث أبي هريرة.
150