اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق
أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين - إبراهيم الزيبق
ويبدو أنَّ حملتهم عليه اشتدت، وربما شاركهم فيها بعض الطلبة ممن كان يدرسهم في تلك المدارس، فضاقت عليه نفسه مما يحيط به في المدرسة العادلية وتلك المدارس من وجوه كالحة، وقلوب غادرة، وكان هجومهم عليه يستدعي منه أحيانًا دفاعًا، بل واستماتة في الدفاع، والمرض يفتك بجسده بين آن وآخر، فخاف أن تباغته المنية، وهو يتمرغ في أوحال خصامهم، فللخلاص من هذا البلاء بدأت تخطر في باله فكرة الاعتزال، أن يعتزل التدريس، وأن يهجر المدرسة العادلية الكبرى، لينصرف ناعم البال إلى ما وهب حياته له من العلم النافع (^١)، وربَّما كان يعيش ألم هذا الشعور، وهو يقتبس من الغزالي في «الإحياء» ما قاله الخطابي في «العزلة»، وهو يصنّف كتابه الجديد: «خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر «الأول» (^٢): دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك، فليس لك منهم مال ولا جمال، إخوان العلانية أعداء السر، إذا لقوك تملّقوك، وإذا غبت عنهم سبعوك (^٣)، من أتاك منهم كان عليك رقيبًا، وإذا خرج كان عليك خطيبًا، أهل نفاق ونميمة، وغل وخديعة، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال، وأن يتخذوك سلَّمًا إلى أوطارهم، وحمارًا في حاجاتهم، إن قصرت في غرض من أغراضك كانوا أشد أعدائك، ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك، ويرونه حقًا واجبًا لديك، ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم، فتعادي عدوهم، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم، وتنتهض لهم سفيهًا، وقد كنت فقيهًا، وتكون لهم تابعًا خسيسًا، بعد أن كنت متبوعًا رئيسًا، ولذلك قيل: اعتزال العامة مروءة تامة» (^٤).
_________
(^١) «المذيل»: ١/ ١٥٠ - ١٥١.
(^٢) ألفه أبو شامة قبل سنة (٦٥٥ هـ - ١٢٥٧ م) إذ فرغ من نسخ إحدى نسخه في ثامن محرم سنة (٦٥٥ هـ)، انظر مقدمة المحقق ص ٣٠.
(^٣) جاء في هامش الأصل: سبع فلان فلانًا إذا اغتابه وأكل لحمه.
(^٤) «خطبة الكتاب المؤمل»: ص ١٧٢ - ١٧٣ وانظر «العزلة» للخطابي: ص ١١١ - ١١٢.
186
المجلد
العرض
31%
الصفحة
186
(تسللي: 166)