أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين - إبراهيم الزيبق
ويشرى، والقادر على شرائه ذلك الغني صاحب المال والجاه، وبذلك انتفت الغاية التي وقف لأجلها، بل انقلب نفعه إلى ضر، فصار تركه أروح للنفس وأطيب، إذ صار هذا المنصب يورث كالمتاع، من غير استحقاق له ولا أهلية، أما العالم المستحق له فهو يقضي حياته حيران أسفًا، يكابد عيشه بغيظ مكتوم.
وقد أعمى هؤلاء الأغنياء المستولين على الوقف حب المال، فهم شرهون عليه، وتغريهم شراهتهم بالمزيد، فإذا كان الفقير يعذر حقًا بالأخذ منه، فما عذر هؤلاء الأغنياء؟
لقد رأيت منهم قضاة ومدرسين، تعجب لغناهم، يتنافسون فيما بينهم باللباس المطرز، والبغال البيض الفارهة، يركبونها زهوًا وكبرًا، مستشعرين عظمة في نفوسهم، ولو فكر الواحد منهم حقًا لعلم أنه إنما يعيش على صدقات الناس، ولو سماها تمويهًا باسم الأوقاف، ثم إن لهذه الأوقاف شروطًا، إذا لم يقم متوليها بحق شروطها، فهو يعرف ما ينتظره يوم القيامة من حساب وعذاب على تضييعها، فهل هؤلاء حقًا يقومون بشروطها؟
لقد رأيت في حياتي مدرسين وقضاة متولين لهذه الأوقاف، وهم لقلة علمهم قد اتخذهم الناس ضحكة يهزؤون منهم، بل إن بعض هؤلاء القضاة كان لا يحسن القراءة إذا قرأ، ويا لها من وصمة عار على أهل هذا العصر أن يلي القضاء فيهم من لا يحسن القراءة، أذكر منهم قاضيًا كان يلثغ بالقاف، وآخر كان يلثغ بالراء، وهما من أماثل القضاة وأحسنهم، وقد أدركت من القضاة من خُلع عنه لباس القضاء، وألبس القباء - وهو لباس والي الشرطة - في مجلس الحكم، تهكمًا به، وتشفيًا منه، بل إن منهم من كان ذا لكنة أعجمية، لا يقيم لسانه بالعربية، ومنهم الفاسق الظالم الذي أُلقي من شاهق، فتقطع جسمه قطعًا، ومنهم من كاتب التتار، بل منهم من سار إليهم مثنيًا مصريًا أفعالهم! ومنهم من ارتكب الفواحش والموبقات، وعتا واستكبر.
وقد أعمى هؤلاء الأغنياء المستولين على الوقف حب المال، فهم شرهون عليه، وتغريهم شراهتهم بالمزيد، فإذا كان الفقير يعذر حقًا بالأخذ منه، فما عذر هؤلاء الأغنياء؟
لقد رأيت منهم قضاة ومدرسين، تعجب لغناهم، يتنافسون فيما بينهم باللباس المطرز، والبغال البيض الفارهة، يركبونها زهوًا وكبرًا، مستشعرين عظمة في نفوسهم، ولو فكر الواحد منهم حقًا لعلم أنه إنما يعيش على صدقات الناس، ولو سماها تمويهًا باسم الأوقاف، ثم إن لهذه الأوقاف شروطًا، إذا لم يقم متوليها بحق شروطها، فهو يعرف ما ينتظره يوم القيامة من حساب وعذاب على تضييعها، فهل هؤلاء حقًا يقومون بشروطها؟
لقد رأيت في حياتي مدرسين وقضاة متولين لهذه الأوقاف، وهم لقلة علمهم قد اتخذهم الناس ضحكة يهزؤون منهم، بل إن بعض هؤلاء القضاة كان لا يحسن القراءة إذا قرأ، ويا لها من وصمة عار على أهل هذا العصر أن يلي القضاء فيهم من لا يحسن القراءة، أذكر منهم قاضيًا كان يلثغ بالقاف، وآخر كان يلثغ بالراء، وهما من أماثل القضاة وأحسنهم، وقد أدركت من القضاة من خُلع عنه لباس القضاء، وألبس القباء - وهو لباس والي الشرطة - في مجلس الحكم، تهكمًا به، وتشفيًا منه، بل إن منهم من كان ذا لكنة أعجمية، لا يقيم لسانه بالعربية، ومنهم الفاسق الظالم الذي أُلقي من شاهق، فتقطع جسمه قطعًا، ومنهم من كاتب التتار، بل منهم من سار إليهم مثنيًا مصريًا أفعالهم! ومنهم من ارتكب الفواحش والموبقات، وعتا واستكبر.
304