أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين - إبراهيم الزيبق
ولن ينسى أبو شامة ذهابه ذات يوم مع شيخه السخاوي إلى مقبرة باب الصغير لزيارة قبور بعض الصَّالحين، يومها وقف شيخه على قبر الفقيه الزاهد مودود الشاغوري، مترحّمًا عليه، طالبًا من فتاه أبي شامة قراءة الأبيات التي كتبت على شاهدة قبره، فينطلق صوتُ أبي شامة في قراءتها والشيخ يستحسنها:
كم ضمَّ قَبْرُكَ يا مودود من دِينِ … ومن عَفَافٍ ومن بر ومن لين
ما كنتَ تَقْرَبُ سُلْطانًا لتخدِمَهُ … لكن غنيتَ بسُلْطانِ السَّلاطين (^١)
وكان درسًا من شيخه لن ينساه.
ولعل مما عزز لديه نفرة القرب من السلطان ما شهده من إهانة الملك المعظم عيسى بن العادل لقاضي قضاة دمشق أبي العباس الطاهر بن محيي الدين ابن الزكي، وذلك حين ضرب هذا القاضي جابي المدرسة العزيزية، حيث كان يسكن أبو شامة (^٢).
فقد ساءت المعظم من القاضي أمور كان يغلّها في صدره، ويتغافل عنه، حتى أخطأ القاضي خطأ قد يغتفر من مثله بضربه الجابي، غير أن المعظم وجد في فعل القاضي سبيلًا لإظهار ما في نفسه، فبعث إليه - وهو في مجلس الحكم في داره، وقد غص بالناس والشهود حضور - ببقجة فيها قَبَاء وكلوتة - وهما لباس والي الشرطة - وأمره أن يلبسهما، ويحكم بين الناس، وذلك تحقيرًا له، إذ هو زي شنيع في حق مثله، فلما نظر القاضي إلى القباء والكلوتة شحب وجهه، وعلاه الوجوم، غير أنه مد يده في خوف، ووضع القباء على كتفيه، ونزع عمامته، ووضع الكلوتة على رأسه، وحكم بين اثنين، ثم قام من مجلس الحكم، ودخل غرفته.
_________
(^١) «المذيل»: ١/ ٢٥٨.
(^٢) «المذيل»: ١/ ٣٨٩.
كم ضمَّ قَبْرُكَ يا مودود من دِينِ … ومن عَفَافٍ ومن بر ومن لين
ما كنتَ تَقْرَبُ سُلْطانًا لتخدِمَهُ … لكن غنيتَ بسُلْطانِ السَّلاطين (^١)
وكان درسًا من شيخه لن ينساه.
ولعل مما عزز لديه نفرة القرب من السلطان ما شهده من إهانة الملك المعظم عيسى بن العادل لقاضي قضاة دمشق أبي العباس الطاهر بن محيي الدين ابن الزكي، وذلك حين ضرب هذا القاضي جابي المدرسة العزيزية، حيث كان يسكن أبو شامة (^٢).
فقد ساءت المعظم من القاضي أمور كان يغلّها في صدره، ويتغافل عنه، حتى أخطأ القاضي خطأ قد يغتفر من مثله بضربه الجابي، غير أن المعظم وجد في فعل القاضي سبيلًا لإظهار ما في نفسه، فبعث إليه - وهو في مجلس الحكم في داره، وقد غص بالناس والشهود حضور - ببقجة فيها قَبَاء وكلوتة - وهما لباس والي الشرطة - وأمره أن يلبسهما، ويحكم بين الناس، وذلك تحقيرًا له، إذ هو زي شنيع في حق مثله، فلما نظر القاضي إلى القباء والكلوتة شحب وجهه، وعلاه الوجوم، غير أنه مد يده في خوف، ووضع القباء على كتفيه، ونزع عمامته، ووضع الكلوتة على رأسه، وحكم بين اثنين، ثم قام من مجلس الحكم، ودخل غرفته.
_________
(^١) «المذيل»: ١/ ٢٥٨.
(^٢) «المذيل»: ١/ ٣٨٩.
39