اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين

إبراهيم الزيبق
أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين - إبراهيم الزيبق
وهكذا حاولوا أن يلتمسوا له خلافًا في الرأي ليسوغوا الاعتداء عليه، وما هو هذا الرأي الذي يوجب استحلال دمه؟ لم يكلف ابن كثير نفسه عناء البحث عن هذا الرأي، فهل كان لتهافته لا يستحق أن يذكر؟ وقد تبرع جماعة من أهل الحديث وغيرهم بتبرئة أبي شامة منه، فقالوا: إنه كان مظلومًا. ونسي هؤلاء أن دمشق زمن أبي شامة لم تقتل زنادقتها على كفرهم وفسوقهم (^١)، فكيف تقتل أكبر علمائها من أجل رأي مخالف غامض؟
لقد تواطأ الجميع على تعمية من ضربه وسبب ضربه بعبارات مبهمة لا تدع منفذًا لشعاع الحقيقة أن يتسرب من بين حروفها، غير أن المطلع على سيرة أبي شامة يدرك حقًا أنه كان صوتًا متفردًا بين علماء عصره، إذ رأى أن سبب الفساد الذي تعيشه الأمة هو علماؤها الذين اتخذوا من العلم مطية لتحقيق مآربهم الدنيوية، وهم على تناغم مع الأمراء والسلاطين، فوجه إليه نقدًا لاذعًا كاشفًا، لأن في صلاحهم صلاح الأمة، وقد فوجئوا حقًا بهذا النقد وقسوته الذي عراهم من هيبتهم، وكشف عن أطماعهم، وقد كانوا يرون أنفسهم فوق النقد، فورمت أنوفهم، واضطغنت قلوبهم على هذا العالم الزاهد حقًا في مناصبهم، ولما عجزوا عن إسكاته بالإهمال أولًا، ثم بتوليته المناصب ثانيًا، رأوا أن لا مناص لهم للتخلص منه إلا بقتله، فكان ما كان، ولكن الله سلَّم.
* * *
_________
(^١) انظر «المذيل»: ٢/ ٨٣ - ٨٤، ١٣٥، وانظر من تكلم فيهم أبو شامة ص ٤٣٤ - ٤٣٥ من هذا الكتاب.
343
المجلد
العرض
58%
الصفحة
343
(تسللي: 314)