اجتماع الجيوش الإسلامية - ت المعتق - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
كُلَّ شَيْءٍ فَقَضَاهُ وَأَبْرَمَهُ وَأَمْضَاهُ، مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَنَفْعٍ وَضُرٍّ وَطَاعَةٍ وَعِصْيَانٍ، وَعَمْدٍ وَنِسْيَانٍ، وَعَطَاءٍ وَحِرْمَانٍ، لَا يَجْرِي فِي مُلْكِهِ مَالَا يُرِيدُ، عَدْلٌ فِي أَقْضِيَتِهِ غَيْرُ ظَالِمٍ لِبَرِّيَّتِهِ. لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ. إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] نَصِفُهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵌ الْكَرِيمِ لَا نُجَاوِزُ ذَلِكَ وَلَا نَزِيدُ بَلْ نَقِفُ عِنْدَهُ وَنَنْتَهِي إِلَيْهِ وَلَا نَدْخُلُ فِيهِ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ، لِبُعْدِهِ عَنِ الْأَشْكَالِ وَالْأَجْنَاسِ، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وَفَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا جَاءَ مِنَ الصِّفَاتِ نُمِرُّهُ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ عَلَيْهِ، وَنَقْتَدِي فِي ذَلِكَ بِعُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَنَسْكُتُ عَمَّا سَكَتُوا عَنْهُ وَنَتَأَوَّلَ مَا تَأَوَّلُوا وَهُمُ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٨]، وَنُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ ﷿، لَا مُعَقِّبَ لِمَا حَكَمَ وَلَا نَاقِضَ لِمَا أَبْرَمَ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ حَسَنَهَا وَسَيِّئَهَا خَلْقُ اللَّهِ ﷿ وَمَقْدِرَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ لَا خَالِقَ لَهَا سِوَاهُ وَلَا مُقَدِّرَ لَهَا إِلَّا إِيَّاهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَإِنَّهُ عَدْلٌ فِي ذَلِكَ غَيْرُ جَائِرٍ لَا يَظْلِمَهُمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وَكَذَلِكَ الْأَرْزَاقُ وَالْآجَالُ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ،
176