اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
الفتاوى الكبرى لابن تيمية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
فَإِنْ قِيلَ: فَفِيهِ السَّلَى، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ دَمٌ. قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمًا يَسِيرًا، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسِيرٌ، وَالدَّمُ الْيَسِيرُ مَعْفُوٌّ عَنْ حَمْلِهِ فِي الصَّلَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالسَّلَى لَحْمٌ مِنْ ذَبِيحَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ نَجِسٌ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ حُرِّمَ حِينَئِذٍ ذَبَائِحُ الْمُشْرِكِينَ، بَلْ مِنْ الْبَيِّنِ، أَوْ الْمَقْطُوعِ بِهِ، أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حُرِّمَتْ حِينَئِذٍ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنَجِّسُونَ ذَبَائِحَ قَوْمِهِمْ، وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِبُ إلَّا مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ، أَمَّا مَا ذَبَحَهُ قَوْمُهُ فِي دُورِهِمْ لَمْ يَكُنْ يَتَجَنَّبُهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ قَدْ وَقَعَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفَرِ الْقَلِيلِ، الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْبَلَدِ مُشْرِكُونَ، وَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَيَشْرَبُوا، إلَّا مِنْ طَعَامِهِمْ وَخُبْزِهِمْ، وَفِي أَوَانِيهِمْ لِقِلَّتِهِ وَضَعْفِهِمْ وَفَقْرِهِمْ. ثُمَّ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ، فَمَنْ ادَّعَاهُ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ.
الدَّلِيلُ السَّابِعُ: وَهُوَ الْعَاشِرُ: مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنَّهُ نَهَى عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرِ وَقَالَ: «إنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» . وَفِي لَفْظٍ: قَالَ: «فَسَأَلُونِي الطَّعَامَ لَهُمْ وَلِدَوَابِّهِمْ، فَقُلْت: لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَوْفَرُ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» .
فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرِ، الَّذِي هُوَ زَادُ إخْوَانِنَا مِنْ الْجِنِّ، وَعَلَفُ دَوَابِّهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا نُنَجِّسَهُ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا اسْتَنْبَطَ الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِزَادِ الْإِنْسِ. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ اسْتَفَاضَ النَّهْيُ فِي ذَلِكَ وَالتَّغْلِيظَ حَتَّى قَالَ:
398
المجلد
العرض
54%
الصفحة
398
(تسللي: 348)