اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
الفتاوى الكبرى لابن تيمية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
أَبْدَانِهِمْ وَثِيَابِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ أَبْدَانَ النَّاسِ وَثِيَابَهُمْ فِي الِاحْتِلَامِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِزَالَةِ ذَلِكَ، لَا بِغُسْلٍ، وَلَا فَرْكٍ، مَعَ كَثْرَةِ إصَابَةِ ذَلِكَ الْأَبْدَانَ وَالثِّيَابَ عَلَى عَهْدِهِ، وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إزَالَتُهُ وَاجِبَةً، وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ، كَمَا أَمَرَ بِالِاسْتِنْجَاءِ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَالْحَائِضَ بِإِزَالَةِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ ثَوْبِهَا، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ مِنْ لَمْسِ النِّسَاءِ، وَمِنْ النَّجَاسَاتِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، لَمْ يَأْمُرْ الْمُسْلِمِينَ بِالْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ ابْتِلَائِهِمْ بِهِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ يَجِبُ الْأَمْرُ، وَكَانَ إذَا أَمَرَ بِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْقُلَهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَأَمْرُهُ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَمِمَّا مَسَّتْ النَّارُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَهَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا مُسْتَحَبًّا.
وَإِذَا كَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَضَتْ بِأَنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْحَائِضِ فِيمَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْجُنُبِ؛ لِأَجْلِ حَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَطَهُّرِهَا، وَأَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا مَا لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَمُنِعَتْ مِنْهُ، كَمَا مُنِعَتْ مِنْ الصَّوْمِ لِأَجْلِ حَدَثِ الْحَيْضِ، وَعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إلَى الصَّوْمِ، وَمُنِعَتْ مِنْ الصَّلَاةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِاعْتِيَاضِهَا عَنْ صَلَاةِ الْحَيْضِ بِالصَّلَاةِ بِالطُّهْرِ، فَهِيَ أَيْضًا مُنِعَتْ مِنْ الطَّوَافِ إذَا أَمْكَنَهَا أَنْ تَطُوفَ مَعَ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» .
قَدْ قِيلَ إنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الصَّلَاةِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْكُسُوفِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] .
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلْقَادِمِ، الصَّلَاةُ أَوْ الطَّوَافُ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى
454
المجلد
العرض
63%
الصفحة
454
(تسللي: 404)