الفتاوى الكبرى لابن تيمية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
وَأَمَّا قِرَاءَةُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فَقَدْ رُوِيَتْ بِإِسْنَادٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ سُنَّةٌ.
وَأَمَّا دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْهُ «أَنَّهُ أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَفْظُ دُبُرَ الصَّلَاةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ. كَمَا يُرَادُ بِدُبُرِ الشَّيْءِ مُؤَخِّرُهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، وَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضًا لِمَنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَتَدَبَّرَهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُنَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: دُعَاءُ الْمُصَلِّي الْمُنْفَرِدِ، كَدُعَاءِ الْمُصَلِّي صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَدُعَاءُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا.
وَالثَّانِي: دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا، فَهَذَا الثَّانِي لَا رَيْبَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ فِي أَعْقَابِ الْمَكْتُوبَاتِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَذْكَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْهُ، إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقَلَهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، كَمَا نَقَلُوا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ عَقِيبَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، وَإِنَّمَا احْتَجُّوا بِكَوْنِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَا صَلَاةَ بَعْدَهُمَا.
وَمِنْهُمْ: مَنْ اسْتَحَبَّهُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، وَقَالَ: لَا يُجْهَرُ بِهِ، إلَّا إذَا قُصِدَ التَّعْلِيمُ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ، إلَّا مُجَرَّدَ كَوْنِ الدُّعَاءِ مَشْرُوعًا، وَهُوَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، فَالدُّعَاءُ فِي آخِرِهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّ الدُّعَاءَ فِي آخِرِهَا وَاجِبٌ، وَأَوْجَبُوا الدُّعَاءَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - آخِرَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَغَيْرُهُ، وَكَانَ طَاوُسٌ يَأْمُرُ مَنْ لَمْ يَدْعُ بِهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ
وَأَمَّا دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا عَقِيبَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْهُ «أَنَّهُ أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَفْظُ دُبُرَ الصَّلَاةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ. كَمَا يُرَادُ بِدُبُرِ الشَّيْءِ مُؤَخِّرُهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، وَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ يُفَسِّرُ بَعْضًا لِمَنْ تَتَبَّعَ ذَلِكَ وَتَدَبَّرَهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُنَا شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: دُعَاءُ الْمُصَلِّي الْمُنْفَرِدِ، كَدُعَاءِ الْمُصَلِّي صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَدُعَاءُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا.
وَالثَّانِي: دُعَاءُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا، فَهَذَا الثَّانِي لَا رَيْبَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ فِي أَعْقَابِ الْمَكْتُوبَاتِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَذْكَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْهُ، إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنَقَلَهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، كَمَا نَقَلُوا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ عَقِيبَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، وَإِنَّمَا احْتَجُّوا بِكَوْنِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ لَا صَلَاةَ بَعْدَهُمَا.
وَمِنْهُمْ: مَنْ اسْتَحَبَّهُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، وَقَالَ: لَا يُجْهَرُ بِهِ، إلَّا إذَا قُصِدَ التَّعْلِيمُ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ، إلَّا مُجَرَّدَ كَوْنِ الدُّعَاءِ مَشْرُوعًا، وَهُوَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، فَالدُّعَاءُ فِي آخِرِهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ مَشْرُوعٌ مَسْنُونٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَبِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّ الدُّعَاءَ فِي آخِرِهَا وَاجِبٌ، وَأَوْجَبُوا الدُّعَاءَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - آخِرَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَغَيْرُهُ، وَكَانَ طَاوُسٌ يَأْمُرُ مَنْ لَمْ يَدْعُ بِهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ
218