اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
الفتاوى الكبرى لابن تيمية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
فِي قَلْبِي رَيْبٌ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَإِذَا كُنْت فِي جِنَازَةٍ لَمْ أُحَدِّثْ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا تَقُولُ، وَيُقَالُ لَهَا. وَكَانَ مَسْلَمَةُ بْنُ بَشَّارٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَانْهَدَمَ طَائِفَةٌ مِنْهُ وَقَامَ النَّاسُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَشْعُرْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - ﵁ - يَسْجُدُ، فَأَتَى الْمَنْجَنِيقُ فَأَخَذَ طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. وَقَالُوا لِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ: أَتُحَدِّثُ نَفْسَك بِشَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: أَوَ شَيْءٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ أُحَدِّثُ بِهِ نَفْسِي؟ قَالُوا: إنَّا لَنُحَدِّثُ أَنْفُسَنَا فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَبِالْجَنَّةِ وَالْحُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: لَا، وَلَكِنْ بِأَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا، فَقَالَ: لَأَنْ تَخْتَلِفَ الْأَسِنَّةُ فِي أَحَبُّ إلَيَّ وَأَمْثَالُ هَذَا مُتَعَدِّدٌ.
وَاَلَّذِي يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئَانِ: قُوَّةُ الْمُقْتَضِي، وَضَعْفُ الشَّاغِلِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَاجْتِهَادُ الْعَبْدِ فِي أَنْ يَعْقِلَ مَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلَهُ، وَيَتَدَبَّرَ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ، وَيَسْتَحْضِرَ أَنَّهُ مُنَاجٍ لِلَّهِ تَعَالَى، كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ. وَالْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك، ثُمَّ كُلَّمَا ذَاقَ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ كَانَ انْجِذَابُهُ إلَيْهَا أَوْكَدَ، وَهَذَا يَكُونُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ.
وَالْأَسْبَابُ الْمُقَوِّيَةُ لِلْإِيمَانِ كَثِيرَةٌ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ» وَلَمْ يَقُلْ: أَرِحْنَا مِنْهَا. وَفِي أَثَرٍ آخَرَ «لَيْسَ بِمُسْتَكْمِلٍ لِلْإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَزَلْ مَهْمُومًا حَتَّى يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ» أَوْ كَلَامٍ يُقَارِبُ هَذَا. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
فَإِنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِأَخْبَارِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَتَبَايَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَيَتَفَاضَلُونَ تَفَاضُلًا عَظِيمًا، وَيُقَوِّي ذَلِكَ كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تَدَبُّرًا لِلْقُرْآنِ. وَفَهْمًا، وَمَعْرِفَةً بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَتَفَقُّرِهِ إلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ، بِحَيْثُ يَجِدُ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَعَالَى مَعْبُودَهُ وَمُسْتَغَاثَهُ أَعْظَمَ مِنْ اضْطِرَارِهِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاحَ لَهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ مَعْبُودُهُ الَّذِي يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ، وَيَأْنَسُ بِهِ، وَيَلْتَذُّ بِذِكْرِهِ، وَيَسْتَرِيحُ بِهِ، وَلَا حُصُولَ لِهَذَا إلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ، وَمَتَى كَانَ لِلْقَلْبِ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ فَسَدَ وَهَلَكَ هَلَاكًا لَا صَلَاحَ مَعَهُ، وَمَتَى لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُصْلِحْهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ، وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ.
222
المجلد
العرض
101%
الصفحة
222
(تسللي: 648)