اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
الفتاوى الكبرى لابن تيمية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ النَّقْصِ هُنَا كَلَفْظِ النَّقْصِ فِي حَدِيثِ مُوسَى وَالْخَضِرِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَفِيهِ «أَنَّ الْخَضِرَ قَالَ لِمُوسَى لَمَّا وَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى قَارِبِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُك مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلَّا كَمَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ» . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ نَفْسَ عِلْمِ اللَّهِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ لَا يَزُولُ مِنْهُ شَيْءٌ بِتَعَلُّمِ الْعِبَادِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ نِسْبَةَ عِلْمِي وَعِلْمَك إلَى عِلْمِ اللَّهِ كَنِسْبَةِ مَا عَلِقَ بِمِنْقَارِ الْعُصْفُورِ إلَى الْبَحْرِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ كَوْنُ الْعِلْمِ يُورَثُ، كَقَوْلِهِ: «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» . وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦]، وَمِنْهُ تَوْرِيثُ الْكِتَابِ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] .
وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنْ النَّقْصِ وَنَحْوِهِ تُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ الْأَوَّلُ ثَابِتًا، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِقَتَادَةَ، وَقَدْ أَقَامَ عِنْدَهُ أُسْبُوعًا سَأَلَهُ فِيهِ مَسَائِلَ عَظِيمَةً، حَتَّى عَجِبَ مِنْ حِفْظِهِ وَقَالَ: نَزَفْتَنِي يَا أَعْمَى، وَإِنْزَافُ الْقَلِيبِ وَنَحْوِهِ، هُوَ رَفْعُ مَا فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَتَادَةَ لَوْ تَعَلَّمَ جَمِيعَ عِلْمِ سَعِيدٍ لَمْ يَزُلْ عِلْمُهُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَزُولُ الْمَاءُ مِنْ الْقَلِيبِ. لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: التَّعْلِيمُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْكَلَامِ، وَالْكَلَامُ يَحْتَاجُ إلَى حَرَكَةٍ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَكُونُ بِالْمَحَلِّ وَيَزُولُ عَنْهُ، وَلِهَذَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وَيُقَالُ: قَدْ أَخْرَجَ الْعَالِمُ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُخَرِّجْ هَذَا، فَإِذَا كَانَ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ بِالْكَلَامِ الْمُسْتَلْزِمِ زَوَالَ بَعْضِ مَا يَقُومُ بِالْمَحَلِّ، وَهَذَا نَزِيفٌ وَخُرُوجٌ، كَانَ كَلَامُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
119
المجلد
العرض
11%
الصفحة
119
(تسللي: 72)