أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين - إبراهيم الزيبق
وكان من عادة الحجاج في ذلك الزمن أن يصلُّوا ركعات في جوف الكعبة المشرفة، فكان سدنتها من بني شيبة يستغلون ذلك، فيأخذون مالًا لقاء فتحهم بابها لمن أرادوا، أو يغلقونه دونهم، فكان الناس يزدحمون عند فتح الباب، حتى إنَّ بعضهم يتسلق على رقاب بعض، ولأنَّ الباب مرتفع عن الأرض نحو قامة رجل فكثيرًا ما كان بعضهم يقع على بعض، فمنهم مَنْ ينكسر عظمه، ومنهم من يشج رأسه، ومنهم مَنْ يموت (^١). وقد رأى الكامل بن العادل - حاكم مصر - أن يُسهل هذا الأمر على الحجيج، وذلك بأن يبقي بابها مفتوحًا ليلًا ونهارًا، فأرضى بني شيبة بمال يعوّضهم عما كانوا يأخذونه من الناس (^٢).
لم يدر الناس - وهم في طريقهم إلى مكَّة المكرَّمة - بما فعل الكامل، فكان أبو شامة طوال الطريق تتنازعه الأماني، هل يستطيع دخول الكعبة والصلاة فيها؟ وكيف السبيل إلى دخولها مع شدة ازدحام الناس على بابها؟ وما إن يتخيل ما ينتظره من مشقة حتى يبدد الهم والقلق كل أمانيه (^٣).
وحطت القافلة أخيرًا رحالها في مكَّة المكرَّمة، ودخل أبو شامة الحرم الشريف من باب بني شيبة مع الداخلين، وما إن وقع نظره على البيت - شرفه الله تعالى - حتى فوجئ ببابه مفتوحًا، وسُلَّمه منصوبًا، والناس طالعون إليه ونازلون منه من غير ازدحام ومشقة، فعقدت الفرحة لسانه، وهو لا يكاد يصدق عينيه، وخوفًا من أن يغلق الباب دونه عَجَّل في طواف القدوم، ثم صعد السلّم مع الصاعدين، فدخل البيت - عظمه الله تعالى - وقد طفح قلبه بالشوق، فسكب العبرات، وصلى ركعات، واستغفر ودعا وسبح (^٤)، وقد وصف في قصيدته الحجاج في هذا المشهد الجليل بقوله:
وأسرعوا نحو ذاك البيت حاسرة … رؤوسهم بين مِطْوَافٍ ومُسْتَلِمِ
_________
(^١) «المذيل»: ١/ ٣٧٤.
(^٢) المصدر السالف.
(^٣) المصدر السالف.
(^٤) «المذيل»: ١/ ٣٧٤_٣٧٥.
لم يدر الناس - وهم في طريقهم إلى مكَّة المكرَّمة - بما فعل الكامل، فكان أبو شامة طوال الطريق تتنازعه الأماني، هل يستطيع دخول الكعبة والصلاة فيها؟ وكيف السبيل إلى دخولها مع شدة ازدحام الناس على بابها؟ وما إن يتخيل ما ينتظره من مشقة حتى يبدد الهم والقلق كل أمانيه (^٣).
وحطت القافلة أخيرًا رحالها في مكَّة المكرَّمة، ودخل أبو شامة الحرم الشريف من باب بني شيبة مع الداخلين، وما إن وقع نظره على البيت - شرفه الله تعالى - حتى فوجئ ببابه مفتوحًا، وسُلَّمه منصوبًا، والناس طالعون إليه ونازلون منه من غير ازدحام ومشقة، فعقدت الفرحة لسانه، وهو لا يكاد يصدق عينيه، وخوفًا من أن يغلق الباب دونه عَجَّل في طواف القدوم، ثم صعد السلّم مع الصاعدين، فدخل البيت - عظمه الله تعالى - وقد طفح قلبه بالشوق، فسكب العبرات، وصلى ركعات، واستغفر ودعا وسبح (^٤)، وقد وصف في قصيدته الحجاج في هذا المشهد الجليل بقوله:
وأسرعوا نحو ذاك البيت حاسرة … رؤوسهم بين مِطْوَافٍ ومُسْتَلِمِ
_________
(^١) «المذيل»: ١/ ٣٧٤.
(^٢) المصدر السالف.
(^٣) المصدر السالف.
(^٤) «المذيل»: ١/ ٣٧٤_٣٧٥.
55