أيقونة إسلامية

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي
الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة - عرفة بن طنطاوي
المطلب الثالث: مواقف الصحابة -﵃- من المصاحف العثمانية
الأمر بتحريق الصحف في الأمصار:
لما انتهى الخليفة الراشد عثمان - ﵁- من نسخ وكتابة الصحف العثمانية أمر ببعثها ونشرها في الأمصار، وكان ذلك وفق ما ثبت في العرضة الأخيرة، وأمر بترك ما سوى ذلك، ثم أمر الناس أن يحرقوا ما في أيديهم من صحف وأن يعتمدوا الصحف المرسلة إليهم، وكان ذلك الأمر بمثابة أمر وقرار من أمير المؤمنين علي أهل الأمصار امتثاله والإذعان له والعمل بمقتضاه. وقد لاقى هذا الأمر تأييد الصحابة واستجابتهم، فقاموا بتحريق الصحف التي بين أيدهم، وأما ما كان من إنكار عبد الله بن مسعود فإنه كان في أول الأمر فحسب ولم يلبث أن ثاب ورجع وأقر فعل
عثمان؛ وما أجمع عليه أمر الصحابة - ﵃ أجمعين - وتأييدهم لفعله ورضاهم عنه وثنائهم عليه، ولزم أمر جماعة المسلمين.
"فلم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف أو معارضة لما فعل الخليفة عثمان بن عفان، إلا ما روي من معارضة عبد الله بن مسعود، ولم تكن معارضته بسبب حصول تقصير في الجمع أو نقص أو زيادة، وإنما جاءت معارضته لعدم تعيينه مع أعضاء لجنة نسخ المصاحف، ولهذا قال: "أُعزل عن نسخ المصاحف وتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صُلب رجلٍ كافرٍ". (^١)
وعن تراجع ابن مسعود﵁- يقول الحافظ ابن كثير- رحمه لله-:
روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان﵁- يدعوه إلى اتِّباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة -﵃ أجمعين-. (^٢)
ومِمَّا يدل على أن ابن مسعودٍرضي الله عنه- قد رجع إلى رأي الجماعة أن قراءته قد رواها عاصم وحمزة والكسائي (^٣)، وقراءة هؤلاء الأئمة موافقة للمصاحف العثمانية كما هو معلوم.
وفي نحو ذلك يقول أبو محمد بن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) -﵀-:
وأما قولُهم إن مصحف عبد الله بن مسعودرضي الله عنه- خلاف مصحفنا فباطلٌ وكذبٌ وإفكٌ. مصحف عبد الله بن مسعود إنَّما فيه قراءته بلا شكٍّ، وقراءتُه هي قراءة عاصمٍ المشهورة عند جميع
_________
(^١) - تفسير القرطبي: (١/ ٥٢).
(^٢) -البداية والنهاية؛ لابن كثير: (٧/ ٢٢٨). وقد سبق تخريجه. بتصرف يسير.
(^٣) يُنظر: مبحث الحفاظ من الصحابة، وهو المبحث الرابع من الفصل الأول من الباب الأول
261
المجلد
العرض
41%
الصفحة
261
(تسللي: 260)