أيقونة إسلامية

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي
الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة - عرفة بن طنطاوي
وَمِنْ جِهَةِ مَعَانِيهِ، الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْغَيْبِ الْمَاضِي، وَعَنِ الْغَيْبِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْمَعَادِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا بَيَّنَ فِيهِ مِنَ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ، وَالْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) [الإسراء: ٨٩].
وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤].
وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ النَّاسُ مِنَ الْوُجُوهِ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، هُوَ حُجَّةٌ عَلَى إِعْجَازِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ تَنَبَّهُوا لِمَا تَنَبَّهُوا لَهُ.

ويضرب شيخ الإسلام لعجزهم عن معارضة القرآن أمثلة فيقول:
وَمِنْ أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إِنَّهُ مُعْجِزٌ بِصَرْفِ الدَّوَاعِي - مَعَ تَمَامِ الْمُوجِبِ لَهَا - أَوْ بِسَلْبِ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، أَوْ بِسَلْبِهِمُ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَادَةَ فِي مِثْلِهِ سَلْبًا عَامًّا، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) [مريم: ١٠].
وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَ قُلُوبَ الْأُمَمِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي التَّامِّ. فَإِنَّ هَذَا يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ وَالتَّنْزِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْدِرُ النَّاسُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، فَامْتِنَاعُهُمْ - جَمِيعُهُمْ - عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ، مَعَ قِيَامِ الدَّوَاعِي الْعَظِيمَةِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ.
المثال الأول:
مِنْ أَبْلَغِ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنِّي آخُذُ أَمْوَالَ جَمِيعِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ الْعَظِيمِ، وَأَضْرِبُهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَأُجَوِّعُهُمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَشْكُوا إِلَى اللَّهِ، أَوْ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ - مَعَ ذَلِكَ - مَنْ يَشْتَكِي، فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ.
المثال الثاني:
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ وَاحِدًا صَنَّفَ كِتَابًا يَقْدِرُ أَمْثَالُهُ عَلَى تَصْنِيفٍ مِثْلِهِ، أَوْ قَالَ شِعْرًا، يَقْدِرُ أَمْثَالُهُ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، وَتَحَدَّاهُمْ كُلَّهُمْ، فَقَالَ: عَارِضُونِي، وَإِنْ لَمْ تُعَارِضُونِي فَأَنْتُمْ كُفَّارٌ، مَأْوَاكُمُ النَّارُ، وَدِمَاؤُكُمْ لِي حَلَالٌ، امْتَنَعَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ أَحَدٌ. فَإِذَا لَمْ يُعَارِضُوهُ كَانَ هَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ.
فَيُقَالُ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَادِرِينَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ أَوْ عَاجِزِينَ.
فَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ، وَلَمْ يُعَارِضُوهُ، بَلْ صَرَفَ اللَّهُ دَوَاعِي قُلُوبِهِمْ، وَمَنَعَهَا أَنْ تُرِيدَ مُعَارَضَتَهُ مَعَ هَذَا التَّحَدِّي الْعَظِيمِ، أَوْ سَلَبَهُمُ الْقُدْرَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ قَبْلَ تَحَدِّيهِ.
57
المجلد
العرض
9%
الصفحة
57
(تسللي: 56)