أيقونة إسلامية

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي
الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة - عرفة بن طنطاوي
وَمَنْ تَدَبَّرَ مَا صَنَّفَهُ جَمِيعُ الْعُقَلَاءِ فِي الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَجَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ - التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ الْأَنْبِيَاءِ - وَجَدَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ مِنَ التَّفَاوُتِ أَعْظَمَ مِمَّا بَيْنَ لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ، وَبَيْنَ سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعَرَبِ وَنَظْمِهِمْ.
فَالْإِعْجَازُ فِي مَعْنَاهُ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ مِنَ الْإِعْجَازِ فِي لَفْظِهِ، وَجَمِيعُ عُقَلَاءِ الْأُمَمِ عَاجِزُونَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ مَعَانِيهِ أَعْظَمَ مِنْ عَجْزِ الْعَرَبِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ لَفْظِهِ. وَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ مِثْلُ الْقُرْآنِ، لَا يُقْدَحُ فِي الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ تِلْكَ كُتُبُ اللَّهِ - أَيْضًا - وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْتِيَ نَبِيٌّ بِنَظِيرِ آيَةِ نَبِيٍّ، كَمَا أَتَى الْمَسِيحُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَقَدْ وَقَعَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى عَلَى يَدِ غَيْرِهِ؛ فَكَيْفَ وَلَيْسَ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُمَاثِلًا لِمَعَانِي الْقُرْآنِ؛ لَا فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَلَا الْكَمِّيَّةِ، بَلْ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ لِكُلِّ مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَ الْكُتُبَ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، ظَهَرَ لَهُ إِعْجَازُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ ذَلِكَ اكْتَفَى بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ كَعَجْزِ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ تَحَدِّي النَّبِيِّ، وَإِخْبَارِهِ بِعَجْزِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَدَلَائِلُ النُّبُوَّةِ مِنْ جِنْسِ دَلَائِلِ الرُّبُوبِيَّةِ، فِيهَا الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ لِكُلِّ أَحَدٍ; كَالْحَوَادِثِ الْمَشْهُودَةِ; مِثْلِ خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالسَّحَابِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ عَرَفَهُ مِثْلُ دَقَائِقِ التَّشْرِيحِ وَمَقَادِيرِ الْكَوَاكِبِ وَحَرَكَاتِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالْخَالِقِ وَالْإِقْرَارِ بِرُسُلِهِ، وَمَا اشْتَدَّتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ يَجُودُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ جُودًا عَامًّا مُيَسَّرًا.
فَلَمَّا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إِلَى النَّفْسِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْمَاءِ، وَحَاجَتُهُمْ إِلَى الْمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْأَكْلِ، كَانَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَاءَ بِالْهَوَاءِ جُودًا عَامًّا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ لِضَرُورَةِ الْحَيَوَانِ إِلَيْهِ، ثُمَّ الْمَاءُ دُونَهُ، وَلَكِنَّهُ يُوجَدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُوجَدُ الْقُوتُ وَأَيْسَرَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ أَشَدُّ.
فَكَذَلِكَ دَلَائِلُ الرُّبُوبِيَّةِ، حَاجَةُ الْخَلْقِ إِلَيْهَا فِي دِينِهِمْ أَشَدُّ الْحَاجَاتِ، ثُمَّ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ; فَلِهَذَا يَسَّرَهَا اللَّهُ وَسَهَّلَهَا أَكْثَرَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَامَّةُ، مِثْلُ تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ وَاخْتِلَافِهَا، وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ أَوْ
فَنَائِهَا، وَثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ أَوِ انْتِفَائِهِ، وَمِثْلُ مَسَائِلِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَفَوَاتِ الْحَجِّ وَفَسَادِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. (^١)
"فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسولهﷺ- بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسولﷺ- البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين
_________
(^١) -الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (٥/ ٤٣٤ - ٤٣٦).
60
المجلد
العرض
9%
الصفحة
60
(تسللي: 59)