اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
الفتاوى الكبرى لابن تيمية - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِهَذَا الْإِسْنَادِ، حَتَّى فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ، فَإِنْ جَازَ هَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يَجْهَرُونَ، وَلَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ، إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَيُسْفِرُونَ بِالْفَجْرِ، وَأَنْوَاعُ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ عَلَى الْجَهْرِ بِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَانُوا يَجْهَرُونَ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا صَلَاتَهُمْ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَهُوَ أَخَذَهَا عَنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - ﵁ - أَوَّلُ مَا أَخَذَ الْفِقْهَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ جُرَيْجٍ، كَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ، لَكِنْ مِثْلُ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ الْمُجْمَلَةِ لَا يَثْبُتُ بِهَا أَحْكَامٌ مُفَصَّلَةٌ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا.
وَلَئِنْ جَازَ ذَلِكَ لَيَكُونَنَّ مَالِكٌ أَرْجَحَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ أَجَلُّ قَدْرًا، وَأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَأَتْبَعُ لَهَا مِمَّنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ.

وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى تَرْكِ الْجَهْرِ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا الْمِحْرَابُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ الْأَئِمَّةُ، وَهَلُمَّ جَرًّا. وَنَقْلُهُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ، كُلُّهُمْ شَهِدُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَاةَ خُلَفَائِهِ، وَكَانُوا أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ، وَأَشَدَّ إنْكَارًا عَلَى مَنْ خَالَفَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُغَيِّرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهَذَا الْعَمَلُ يَقْتَرِنُ بِهِ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ كُلِّهِمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ، وَلَيْسَ لِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ غَرَضٌ بِالْأَطْبَاقِ عَلَى تَغْيِيرِ السُّنَّةِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَلَا يُمْكِنُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ كُلَّهُمْ أَقَرَّتْهُمْ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ، بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةَ أَنَّ خُلَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُلُوكَهُمْ لَا يُبَدِّلُونَ سُنَّةً لَا تَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ مُلْكِهِمْ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَهْوَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا لِلْمُلُوكِ فِيهَا غَرَضٌ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ إذَا احْتَجَّ بِهَا الْمُحْتَجُّ لَمْ تَكُنْ دُونَ تِلْكَ، بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهَا أَقْوَى مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ الْجَزْمَ بِكَوْنِ صَلَاةِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ أَشْبَهَ بِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ بِهَا، وَالصَّحَابَةُ بِهَا أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَقْرَبُ مِنْ الْجَزْمِ بِكَوْنِ صَلَاةِ شَخْصٍ أَوْ شَخْصَيْنِ أَشْبَهَ بِصَلَاةِ آخَرَ، حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْهَبْ ذَاهِبٌ قَطُّ إلَى أَنَّ عَمَلَ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةً، وَإِنَّمَا تُنُوزِعَ فِي
177
المجلد
العرض
94%
الصفحة
177
(تسللي: 603)