أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
وذهب غير هؤلاء إلى أنَّ المسيح الدَّجال الخارجَ آخر الزَّمان غير ابن الصَّياد الَّذي عاش في المدينة زمنَ النُّبوة (^١)، فإنَّ هذا «كان دجَّالًا مِن الدَّجاجلة، ثمَّ تِيب عليه بعد ذلك، فأظهرَ الإسلام، والله أعلمُ بَضميرِه وسَريرتِه» (^٢).
ودليلهم على ذلك: حديثُ تميم الدَّاري ﵁ الطَّويل المشهور في «صحيح مسلم» (^٣)، وقد مرَّ أنَّه أخبرَ النَّبيَّ ﷺ بلُقياه المسيحَ الدَّجالَ -بتقديرٍ مِن الله تعالى- مُوثقًا في دِيرٍ بإحدى الجُزر النَّائية في البحر، فذكره له بأوصافٍ تخالف ما عليه ابنَ الصَّياد.
وحملَ بعضُ هؤلاءِ جزمَ عمر ﵁ على أنَّ ابن الصَّياد هو المسيحُ الدَّجال على عدم اطِّلاعِه على حديث تميمٍ وقتَ حلِفِه، وحملوا جزمَ جابر ﵁ لمَّا رأى سكوتَ النَّبي ﷺ عند حلف عمر ﵁ بأنَّه اجتهادٌ منه مَنقوض، وذلك أنَّ «الظَّاهر أنَّ النَّبي ﷺ لم يكُن قد أُوحِيَ إليه وقتئذٍ في أمره بشيءٍ، وإنَّما أوحي إليه بصفاتِ الدَّجال، وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملة، فلذلك كان ﷺ لا يقطع في أمره بشيء» (^٤).
فكان سِرُّ سكوتِه ﷺ على حَلفِ عمرَ: عَدمُ تحقُّقِه مِن بطلانِ ما حَلف عليه، فلا يُعَدُّ هذا السُّكوت في هذه الحالة تقريرًا، خصوصًا إذا عُلِم أنَّ مِن شرط العَمل بالتَّقرير: ألَّا يعارضَه تَصريحٌ يخالفه (^٥).
فبهذا يرجُح عندي أنَّ قول مَن نفى أن يكون المسيح الدَّجال هو ابن الصَّياد هو الأصوب.
_________
(^١) منهم البيهقيُّ في «البعث والنشور» (ص/٣١، استدراكات عامر حيدر)، وابن تيمية في «الفرقان» (ص/١٦٦)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (١٩/ ٢٠٤).
(^٢) «البداية والنهاية» لابن كثير (١٩/ ٢٠٤).
(^٣) ستأتي دراسة هذا الحديث ودفع المعارضات المعاصرة عنه بتفصيل في مبحث مستقل.
(^٤) «شرح صحيح الإمام مسلم» للنووي (١٨/ ٤٦).
(^٥) وسيأتي تفصيلُ الكلام في حقيقة ابن صيَّاد في تضاعيف الكلام على حديث الجسَّاسة.
1078
المجلد
العرض
54%
الصفحة
1078
(تسللي: 1007)