المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
بالنوم) (^١): لم يكُن منهم اعتِباطًا؛ بل لاعتباراتٍ سَبَقَ بيانها، ومِن أَبرزِها: ما قرَّرناه مِن دلالةِ السِّياق.
ولو كان المُراد بقوله ﵎: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ مجرَّد الموت، لَمَا كان في إضافةِ (التَّوفِّي) إليه مَعْنى يختصُّ به عن غيرِه مِن الرُّسل! فضلًا عن بقيَّةِ الخلق، فالمؤمنون يَعلمون أنَّ الله يقبض أرواحهَم، ويعرج بها إلى السَّماء، ولو كان قد فارقتْ روحُه جسدَه: لكان بدنُه في الأرض كبَدَنِ سائر النَّاس، فَعُلِمَ أنْ ليس في ذلك خاصيَّة (^٢).
فاستبانَ بهذا أنَّ إضافةَ التَّوفي إلى عيسى ﵇، وعطفَ الرَّفع الموصول بـ (إلى) على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: ليس له معنىً إلَّا قبضَ الرُّوح والبَدن جميعًا، لوجودِ القرائنِ الدَّالةِ على ذلك (^٣).
_________
(^١) انظر «النكت في القرآن» لأَبي الحسن المجاشعي (ص/١٧٩ - ١٨٠).
(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(^٣) أما ما احتجَّ به مَن قال بأنَّ الرَّفع كان للرُّوح دون البَدَن: بما وراه علي بن أبي طلحة في صحيفته عن ابن عباس ﵁ في تَفْسير الوفاة في الآية بقوله: «إنِّي مُمِيتك»:
فإنَّ الأئمَّة وإن ارتضوا صحيفة علي بن أَبي طلحة في التفسير في الجُمْلة، فإنه لا يلزم من ذلك الرضا بآحاد ما رَوى، وهذه الرواية عنه مُعَارَضة لما سبق نقله عن ابن عباس ممَّا صحَّ عنه قال: «.. أن عيسى رُفع من رَوْزنةٍ في البيت».
فلعل هذا ممَّا جَعَل أَحمد بن حنبل يقول عن علي بن أبي طلحة: «له أشياء منكرات»، كما في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٣٤).
ثم إنَّ التسليم بمقتضى رواية علي بن أبي طلحة يَسْتلزم أيضًا مخالفة صريح القرآن؛ ذلك بأَن الله أخبر أنَّ وقوع الموت على العباد يكون مرة واحدة، ثم يحييهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ﴾ [٤٠]، فلو كان قد أَماته الله ﷿ لم يكن بالذي يميته ميتةً أُخرى بعد نزوله، فيجمع عليه ميتتين! كما قرره ابن جرير في «تفسيره» (٥/ ٤٥١).
فإذا حُكم بأنَّ هذه الرواية من مُنكر ما يرويه علي بن أَبي طلحة: انتفى الإشكال.
أمَّا على احتمال صحِّتها أخذًا بعموم ثناء الأئمَّة على هذه الصَّحيفة من حيث الجملة:
فيمكن حينئذٍ توجيه رواية بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ بالموتِ:
بأنه ليس في كلامه بيان وقت الإماتة، والآية لا تدل على ذلك؛ لأن (الواو) في قول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ لا تقتضي الترتيب؛ فيكون مُرادُ ابن عباس ﵁ والله أعلم-: إنّي مُميتك بعد نزولك من السَّماء في آخر الزمان، كما صحَّت بذلك الأَخبار؛ ويكون هذا الوَجْهُ بناءً على أَن في الآية تقديمًا وتأخيرًا؛ أي: إِذْ قال الله يا عيسى إنِّي رافعك إليَّ .. ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى الدنيا.
وقد ذهب إلى هذا الجَمْع ابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ١٩٦)؛ حيث قال: «والصَّحيح عندي -في ذلك-: قول مَن قال: متوفِّيك: قابضُك من الأَرضِ؛ لمِا صَحَّ عن النَّبي ﷺ من نزوله، وإذا حُمِلت رواية علي ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس ﵁ على التَّقديم والتأخير؛ أي: رافعُك، ومُمِيتُك: لم يكن بخلافِ ما ذكرناه»، والله أعلم.
ولو كان المُراد بقوله ﵎: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ مجرَّد الموت، لَمَا كان في إضافةِ (التَّوفِّي) إليه مَعْنى يختصُّ به عن غيرِه مِن الرُّسل! فضلًا عن بقيَّةِ الخلق، فالمؤمنون يَعلمون أنَّ الله يقبض أرواحهَم، ويعرج بها إلى السَّماء، ولو كان قد فارقتْ روحُه جسدَه: لكان بدنُه في الأرض كبَدَنِ سائر النَّاس، فَعُلِمَ أنْ ليس في ذلك خاصيَّة (^٢).
فاستبانَ بهذا أنَّ إضافةَ التَّوفي إلى عيسى ﵇، وعطفَ الرَّفع الموصول بـ (إلى) على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: ليس له معنىً إلَّا قبضَ الرُّوح والبَدن جميعًا، لوجودِ القرائنِ الدَّالةِ على ذلك (^٣).
_________
(^١) انظر «النكت في القرآن» لأَبي الحسن المجاشعي (ص/١٧٩ - ١٨٠).
(^٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(^٣) أما ما احتجَّ به مَن قال بأنَّ الرَّفع كان للرُّوح دون البَدَن: بما وراه علي بن أبي طلحة في صحيفته عن ابن عباس ﵁ في تَفْسير الوفاة في الآية بقوله: «إنِّي مُمِيتك»:
فإنَّ الأئمَّة وإن ارتضوا صحيفة علي بن أَبي طلحة في التفسير في الجُمْلة، فإنه لا يلزم من ذلك الرضا بآحاد ما رَوى، وهذه الرواية عنه مُعَارَضة لما سبق نقله عن ابن عباس ممَّا صحَّ عنه قال: «.. أن عيسى رُفع من رَوْزنةٍ في البيت».
فلعل هذا ممَّا جَعَل أَحمد بن حنبل يقول عن علي بن أبي طلحة: «له أشياء منكرات»، كما في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٣٤).
ثم إنَّ التسليم بمقتضى رواية علي بن أبي طلحة يَسْتلزم أيضًا مخالفة صريح القرآن؛ ذلك بأَن الله أخبر أنَّ وقوع الموت على العباد يكون مرة واحدة، ثم يحييهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ﴾ [٤٠]، فلو كان قد أَماته الله ﷿ لم يكن بالذي يميته ميتةً أُخرى بعد نزوله، فيجمع عليه ميتتين! كما قرره ابن جرير في «تفسيره» (٥/ ٤٥١).
فإذا حُكم بأنَّ هذه الرواية من مُنكر ما يرويه علي بن أَبي طلحة: انتفى الإشكال.
أمَّا على احتمال صحِّتها أخذًا بعموم ثناء الأئمَّة على هذه الصَّحيفة من حيث الجملة:
فيمكن حينئذٍ توجيه رواية بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ بالموتِ:
بأنه ليس في كلامه بيان وقت الإماتة، والآية لا تدل على ذلك؛ لأن (الواو) في قول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ لا تقتضي الترتيب؛ فيكون مُرادُ ابن عباس ﵁ والله أعلم-: إنّي مُميتك بعد نزولك من السَّماء في آخر الزمان، كما صحَّت بذلك الأَخبار؛ ويكون هذا الوَجْهُ بناءً على أَن في الآية تقديمًا وتأخيرًا؛ أي: إِذْ قال الله يا عيسى إنِّي رافعك إليَّ .. ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى الدنيا.
وقد ذهب إلى هذا الجَمْع ابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ١٩٦)؛ حيث قال: «والصَّحيح عندي -في ذلك-: قول مَن قال: متوفِّيك: قابضُك من الأَرضِ؛ لمِا صَحَّ عن النَّبي ﷺ من نزوله، وإذا حُمِلت رواية علي ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس ﵁ على التَّقديم والتأخير؛ أي: رافعُك، ومُمِيتُك: لم يكن بخلافِ ما ذكرناه»، والله أعلم.
1103