أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
والمغيرة، لجوازِ أنْ يكون الخَبَران صَحيحين معًا، وكلُّ واحدٍ منهما غيرُ الآخر» (^١).
وبتأمُّلنا في دعاوي المُعاصرين في إنكارِ هذا الخبرِ، نلحظ أنَّها ترتكز على أَمرين، لم يُصِب المخالفون في تصحيحِ أصلِه الَّذي ابتُني عليه إنكارُه (^٢):
الأوَّل: توهُّمهم أَنَّ ظاهرَ الحديثِ مُعاقبةُ الميِّت بلا وِزرٍ اقترفه، ولا ذنبٍ جناه؛ هذا قادهم إلى القول بـ:
الثَّاني: أنَّ هذا الظَّاهر مَدْفوع بيَقينِ العقلِ وضَرورة الشَّرع.
والحقيقة: أنَّ ظاهر الحديث لا ينافيه العقل؛ فضلًا عن الدَّلائل النَّقليَّة، وما ظنُّوه منافيًا لهذا الظَّاهر، ليس هو مَدلوله ولا ظاهره، بيان ذلك:
أنَّ المعارِضين قَصَروا معنى (العذاب) على (العقاب)، والصَّواب: أَنَّ العذاب أَعمُّ من العِقاب؛ فكلُّ عِقابٍ عذاب بلا عكس.
والَّذي يُبرهن على هذه الدَّعوى الدَّلائل التَّالية:
تسمية الله تعالى على لسان أيوب ﵇ ما ابْتَلى به عبدَه عذابًا، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، والعذاب هنا بمعنى: الضُرِّ في بدنِه وأهلِه الَّذي ابتلاه الله به (^٣)، لا على سبيل العقوبة له ﵇؛ وإنَّما ابتلاءً له.
ومِن البراهين الدَّالة على بطلان قصرِ مفهومِ العذابِ على العقابِ:
ما صحَّ عن النَّبي ﷺ مِن حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: «السَّفرُ قِطعةٌ من العَذَابِ، يمنع أَحدكم طعامَه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سَفَرِه، فَلْيعجِّل بالرجوع إلى أهله» (^٤)، فَسَمَّى النَّبي ﷺ السَّفر قطعةً مِن العذاب، ومعلوم أنَّه إنَّما أراد الألم الحَاصِلَ للمسافر، وليس هو على جهة العِقَاب.
_________
(^١) «أعلام الحديث» (١/ ٦٨٤).
(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٦٤ - ٦٧).
(^٣) انظر «جامع البيان» لابن جرير (٢٠/ ١٠٦ - ١٠٧).
(^٤) رواه البخاري في (ك: العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب، رقم:١٨٠٤).
1160
المجلد
العرض
58%
الصفحة
1160
(تسللي: 1082)