أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
ثمَّ إنَّ هذا الظَّن ليس مُطَّردًا، إِنَّما كان في أَمرٍ خاصٍّ مِن أُمُور الدُّنيا -وهو أمر النِّساء- لم يَتَعدَّاه إلى غيره؛ بيانه فيما قالته عائشة ﵂ من رواية ابن عُيينة: «.. كان يَرى أنَّه يأتي النِّساء، ولا يَأتيهنَّ»، وفي رِوايةِ الحُميدِيِّ: «.. أنَّهُ يأتِي أهلَه، ولا يأتِيهِم».
فأمَّا قولها في الرِّواية الأخرى: «أنَّه يفعَلُ الشَّيء ولا يفعله»: هو مِن بابِ الكِنايةِ، مُكتفيةً بتلمُّحِ السَّامع لقصدِ الجماع، وقد جاء التَّصريح في غيرها مِن الرِّواياتِ -كما قد علمتَ- تبيِينًا للمُجمَل مِن تلك، لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّ التَّخيُّل الَّذي كان يقع لرسول الله ﷺ عامٌّ في كلِّ أفعالِه؛ فما يُتوَهَّم فيه العمومُ مِن بعضِ ألفاظِ الرُّواة مَحمول على هذا التَّخصيص.
وأمَّا ما استدلَّ به المُعترض لتدعيم دعواه من قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، مِن جهةِ أنَّ الواردَ في الحديثِ لا يَقوى على مُعارضة الآية (^١):
فإنَّا لا نجد في نصِّ الآية عصمةَ النَّبي ﷺ مِن السِّحر؛ إنَّما المَعصوم منه فيها مُجمَلٌ، لا يتَّضح بيانه إلَاّ بتقديرِ محَذوفٍ دَلَّ عليه السِّياق مَعروفٍ عند الأُصوليِّين بدلالةِ «الاقتضاءِ» (^٢).
هذا المُقَدَّر لا يخلو:
إمَّا أن يكون هو (القَتْلُ): وهو ما اختاره الشَّافعيُّ وبعضُ أَئمَّةِ التَّفسير (^٣)، وبهذا التَّقديرِ تَنتقضُ مُعارضتَهم للحديثِ بالآية (^٤).
وإمَّا أن يكون المُقدَّر هو (أَذى النَّاس): وهذا غير صَحيحٌ تَقديرُه؛ لأنَّ كلَّ مَن له أَدنى اطلاعٍ على سيرتِه ﷺ، يَعلمُ أنَّه قد نالَه مِن الأَذى ما نَالَه، كالشَّتم،
_________
(^١) انظر «محاسن التأويل» للقاسمي (٩/ ٥٧٧)، و«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكردي (ص/١٦٠).
(^٢) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٤/ ٢١٩).
(^٣) انظر «السنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ١٤، تحت حديث رقم: ١٧٧٣٠)، و«معالم التنزيل» للبغوي (٣/ ٧٩).
(^٤) انظر «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٢٥٩).
1221
المجلد
العرض
61%
الصفحة
1221
(تسللي: 1135)