أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
يَتَلقَّى من الله وملائكتِه؛ ولا ريبَ أنَّ الحال الَّتي ذُكِر في الحديثِ عُروضُها له ﷺ لفترةٍ خاصَّةٍ، ليست هي هذه الَّتي زَعَمها المشركون، ولا هي مِن قِبَلِها في شيءٍ مِن الأوصافِ المَذكورة» (^١).
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ الحال الَّتي عَرَضت للنَّبي ﷺ لم تَلْبَث طويلًا حتَّى كشَفَها الله تعالى عنه، فلم يَشتهر أنَّ مرَضَه هذا قد طَال به، ولو طال به ﷺ لنُقِل ذلك مُتواترًا، لتوفُّرِ الدَّواعي لنقلِه، لمزيدِ اعتناءِ أصحابِه بشأنِه ﷺ، لكنَّه لم يَتَعدَّ حالَ مَن عُقِد عن النِّساء مُدَّةً يَسيرةً (^٢).
ولذا وَقَع في روايةِ أبي ضِمرة عند الإسماعيليِّ: «فأقامَ أربعينَ ليلةً» (^٣).
أمَّا ما جاء في روايِة وُهيب عن هشام بن عروة: «ستَّة أشهر» (^٤): فالجمَعُ بينها وبين المُدَّة السَّابقة: «بأنْ تكون السِّتة أشهرٍ مِن ابتداءِ تغيُّر مَزاجِه، والأربعين يومًا مِن استحكامِه» (^٥).
وأمَّا الجواب عن دعواهم أنَّ السِّحر مِن عَمَلِ الشيطان، وأَثَرٌ من آثارِ النُّفوس الخَبيثةِ؛ فمُحال أن يؤثِّر ذلك على جسدِ النَّبيِّ ﷺ .. إلخ؛ فيُقال فيه:
إنْ كان جائزًا على النَّبي ﷺ أن يَعرِضَ له أذَى شيطانِ الإنسِ -مع كونِ هذا خسيسًا في نفسِه، هزيلًا في قِواه إزاءَ قوَّة النَّبي- فأيُّ مانعٍ مِن أن يَعْرِض له ذلك مِن شيطان الجِنِّ؟! ثمَّ يكشف الله عنه أذى الكُلِّ ومَكرَهما؛ ليس في العقلِ ولا النَّقل ما يمنعُ ذلك.
فذاك أخوه أَيُّوب ﵇، قد تَسلَّط الشَّيطان على جسدِه حتَّى أمرضَه، قد أنزلَ الله تعالى فيه: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].
_________
(^١) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢٥٢).
(^٢) انظر «زاد المسلم» لمحمد حبيب الشنقيطي (٢/ ٢٢٤).
(^٣) أشار إليها ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٣٧).
(^٤) أخرجها أحمد في «المسند» (٤٠/ ٤٠٥، رقم: ٢٤٣٤٧)، وصحَّحها ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٣٧).
(^٥) «الفتح» (١٠/ ٢٣٧).
1223
المجلد
العرض
61%
الصفحة
1223
(تسللي: 1137)