أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
لقد أمكنَ لمثل هذه المعارضةِ أن تجد مَحلًّا وسيعًا من نظر العقول لو أنَّ تلك المُعجزاتِ الحسيَّة كانت مَقدورةً للنَّبي ﷺ لذاتِه، مَأتيةً مِن عند نفسِه؛ أما وهي ممَّا قد أجراه الله تعالى وحده على يَدَيه بإذنِه ليُقيم الدَّليل بها على صدقِه، وليس لنبيِّه فيها يَدٌ ولا مَشيئة: فاستشكالُ الآياتِ بعد هذا -فضلًا عن استنكارِها- ساقطُ الاعتبارِ.
تأمَّل ما جاء على لسان النَّبي ﷺ نفسِه من نسبةِ ما جرى على يَدَيه من بعضِ الآيات إلى إيجادِ الله وتسخيره، من حالِه مسافرًا وقد قلَّ الماء مع أصحابه، فقال: «اطلُبوا فضلةً مِن ماء»، فلمَّا جاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، أدخل يده فيه، ثمَّ قال: «حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركةُ مِن الله»، يقول ابن مسعود: فلقد رَأيتُ الماءَ ينبُع مِن بين أصابع رسول الله ﷺ (^١)!
يقول العينيُّ في قوله ﷺ: «.. والبَركةُ مِن الله»: «إشارةٌ إلى أنَّ الإيجاد من الله» (^٢).
وكذا جاء في حديث جابر ﵁ قال:
«سِرنا مع رسول الله ﷺ، حتَّى نزلنا واديًا أفيحَ، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجتَه، فاتَّبعته بإداوةٍ من ماء، فنَظر رسول الله ﷺ فلم يرَ شيئًا يستتر به، فإذا شجَرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذَ بغصنٍ مِن أغصانها، فقال: «اِنقادي عليَّ بإذن الله»، فانقادت معه كالبَعير المخشوشِ الَّذي يصانع قائده، حتَّى أتى الشَّجرة الأخرى، فأخذَ بغصنٍ من أغصانها، فقال: «اِنقادي علي بإذن الله»، فانقادت معه كذلك، حتَّى إذا كان بالمنصف ممَّا بينهما، لأَمَ بينهما، فقال: «اِلتَئِما عليَّ بإذن الله»، فالتأمتا ..» الحديث (^٣).
فمَنشأ غَلَطِ أصحابِ هذا المنهج: قياسهم الفاسد لأحكام النُّبوة على سائر النَّاس؛ مع تحقُّق الفَرق بينهما بمقتضى النَّقل والعقل، فأدَّاهم إلى جحود ما
_________
(^١) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم: ٣٥٧٩).
(^٢) «عمدة القاري» (١٦/ ١٢٣).
(^٣) أخرجه مسلم في (ك: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر، رقم: ٣٠١٢).
1241
المجلد
العرض
62%
الصفحة
1241
(تسللي: 1154)